تكشف تجربة الجيش المصري في اليمن خلال ستينيات القرن الماضي واحدة من أكثر صفحات التدخل العسكري الخارجي كلفة على القاهرة، بعدما تحولت عملية بدأت تحت عنوان دعم النظام الجمهوري الجديد إلى حرب استنزاف طويلة في جبال اليمن ووديانه، دفعت مصر خلالها ثمناً بشرياً واقتصادياً وعسكرياً باهظاً، قبل أن تنسحب قواتها في نهاية المطاف من دون أن تتمكن من حسم الحرب بالقوة.
بدأ التدخل المصري عقب ثورة 26 سبتمبر 1962، حين دفعت القاهرة بأولى وحداتها العسكرية إلى اليمن دعماً للنظام الجمهوري بقيادة عبدالله السلال. وما بدأ بنحو 3 آلاف جندي خلال الأيام الأولى، تضخم سريعاً إلى 15 ألفاً ثم 50 ألفاً، وصولاً إلى قرابة 70 ألف جندي بحلول عام 1965، في مؤشر مبكر على أن المهمة التي تصورها صانع القرار المصري سريعة ومحدودة تحولت إلى التزام عسكري ضخم يصعب الخروج منه.
ورغم التفوق المصري الكبير في الطيران والمدفعية والمدرعات والعدد، عجز الجيش عن حسم المواجهة أمام حرب قبلية وجبلية غير نظامية، اعتمدت على الكمائن والحركة السريعة والانتشار في التضاريس الوعرة والاستفادة من خطوط الإمداد السعودية.
ومع مرور الوقت، تحولت اليمن إلى مستنقع استنزاف حقيقي للقوات المصرية. فكل منطقة كانت تُستعاد بالقوة لم تكن تعني نهاية المواجهة، إذ كانت المجموعات الملكية تعيد التجمع وتعود إلى القتال من الجبال والقرى والحدود، ما أجبر القاهرة على إرسال مزيد من الجنود والعتاد والمال.
وبحلول منتصف الستينيات، تجاوز عدد القوات المصرية المنتشرة في اليمن 50 ألف جندي، فيما وصل الانتشار في ذروته إلى نحو 70 ألفاً، وهو رقم ضخم يعكس حجم الانخراط العسكري الذي استنزف الجيش المصري بعيداً عن جبهته الأساسية.
ولم يكن النزيف بشرياً فقط. فقد قدرت وثائق أمريكية تكلفة العمليات المصرية في اليمن في مرحلة مبكرة من الحرب، أواخر 1963، بما بين 50 و75 مليون دولار، قبل أن يتضخم التدخل في السنوات التالية ويصل إلى ذروته.
كما اضطرت القاهرة إلى استخدام القوة الجوية على نطاق واسع، وارتبطت الحرب كذلك بتقارير ووثائق تاريخية تحدثت عن استخدام أسلحة كيميائية في شمال اليمن، في مؤشر على مدى العجز الذي وصلت إليه محاولات الحسم التقليدي في مواجهة طبيعة الحرب اليمنية.
وزاد المشهد تعقيداً مع تحول اليمن إلى ساحة صراع إقليمي بين مصر والسعودية؛ القاهرة تدعم الجمهوريين عسكرياً، والرياض تدعم الملكيين بالمال والسلاح وخطوط الإمداد. ورغم اتفاقات التهدئة، ومنها اتفاق جدة عام 1965، استمرت الحرب وتعثر الانسحاب.
والأخطر أن استنزاف الجيش المصري في اليمن جاء في الوقت الذي كانت فيه المواجهة مع إسرائيل تتصاعد. فقد دخلت القاهرة أزمة عام 1967 وجزء كبير من قواتها قد أمضى سنوات في اليمن، واضطرت إلى إعادة وحدات من هناك إلى مصر مع تصاعد التوتر في سيناء.
ولهذا يعتبر عدد من المؤرخين والمحللين أن حرب اليمن أضعفت جاهزية الجيش المصري واستنزفت موارده ومعنوياته قبيل حرب يونيو 1967، وإن لم تكن السبب الوحيد للهزيمة التي وقعت آنذاك.
وجاءت هزيمة يونيو 1967 لتغلق عملياً صفحة المغامرة المصرية في اليمن. فبعد الخسارة أمام إسرائيل، لم تعد القاهرة قادرة على تحمل استمرار انتشار عشرات آلاف الجنود بعيداً عن أراضيها، وبدأ الانسحاب النهائي حتى غادرت القوات المصرية اليمن أواخر العام نفسه.
وهنا برزت المفارقة الأكبر: الجمهورية اليمنية لم تسقط بعد خروج الجيش المصري، بل صمد الجمهوريون لاحقاً خلال حصار صنعاء، وانتهت الحرب بتسوية سياسية عام 1970 اعترفت بعدها السعودية بالجمهورية.
وهكذا خرجت مصر من اليمن بعد خمس سنوات من التدخل وهي تحمل فاتورة بشرية ومالية وعسكرية ثقيلة: عشرات آلاف الجنود جرى زجهم في الجبال، آلاف القتلى والجرحى، استنزاف للموارد، تراجع في الجاهزية العسكرية، ثم انسحاب فرضته تحولات أكبر بعد هزيمة 1967.
وتبقى تجربة الستينيات شاهداً تاريخياً على حقيقة يصعب تجاهلها: اليمن لم يكن ساحة سهلة للقوات القادمة من الخارج، والتفوق في الطائرات والمدفعية والأعداد لم يكن كافياً لحسم حرب في بيئة يمنية شديدة التعقيد. ولهذا تحولت تلك التجربة إلى واحدة من أبرز الأمثلة العربية على مخاطر الانجرار إلى تدخل عسكري بري طويل ومكلف في اليمن.
