في ظل الانبطاح السياسي والسقوط الأخلاقي الذي أصبحت تعاني منهما الكثير من البلدان والعواصم العربية والإسلامية بسبب أنظمتها الكاسدة والفاسدة التي وقعت في مستنقعات الخضوع والخنوع، وباتت تمارس طقوس الولاء والعبودية لقوى الطغيان وأرباب الفسوق والعصيان؛ برزت العاصمة اليمنية صنعاء بصمودها وثباتها كصخرةٍ صلبة في وجه العواصف البائدة والقوى الحاقدة والأدوات العميلة.
لقد أضحت صنعاء اليوم رمزًا للشموخ، وعنوانًا للكرامة، وقلعةً للمجد، ومنبرًا للشرفاء، وعاصمةً للأحرار، ومنارةً تعانق بهامتها السماء وتصافح الجبال الراسيات، وباتت مفخرةً لكل عربي يعشق العزة والإباء، وقبلةً لكل من توق إلى الحرية والكرامة والانتماء.
وعلى قمم الجبال التي تلامس الغمام، وفي قلب أرضٍ طالما أهدت التاريخ أنبل مواقفه، تقف صنعاء اليوم شاخصةً كعلامة فارقة في جغرافيا العزة العربية والإسلامية، فصنعاء ليست مجرد عاصمة تحوي المعالم وتجمع السكان، فهي فكرة ومبدأ، ومدرسةٌ تتلمذت على قيم الكرامة ونخوة العروبة الأصيلة، لتغدو اليوم منبرًا يصعق بصوته طغاة العالم، وقبلةً تهوي إليها أفئدة الشرفاء الأحرار من كل فجٍّ عميق.
وفي زمنٍ تلاطمت فيه أمواج الوهن، وتساقطت فيه كبرى العواصم في فخ المساومات وبيع المبادئ، ظلت صنعاء ثابتةً كأحجار حارتها القديمة، ناصعةً بكبرياء سبأ وحمير، وهذه المدينة جسّدت في مواقفها روح الحرية والعدالة التي طالما بحثت عنها الشعوب المظلومة؛ فكانت القلعة التي لا تُستباح، والمنارة التي تضيء ظلمات الهوان العربي
إن صنعاء اليوم تجسد القيم النبيلة في أبهى صورها؛ فهي العاصمة التي أثبتت أن القيم الأخلاقية هي منهج حياة يُترجم مواقفَ شجاعةً يصعب على التاريخ تجاهلها.
وفي العصر الحديث، حين تخلت عواصم عريقة عن واجباتها تجاه القضايا الجوهرية للأمة، برزت صنعاء بصوتها الحر القوي، فتبنت قضايا الأحرار، ونصرت المستضعفين، وعلى رأسهم الشعب الفلسطيني المظلوم، وأعلنتها صريحةً مدويةً أن العدالة لا تتجزأ، وأن الكرامة الإنسانية وحدةٌ واحدة لا تخضع للحسابات السياسية الضيقة ولا للترهيب الإقليمي والدولي.
وهكذا أصبحت صنعاء قبلةً لكل شريف يرنو إلى العزة، ومحط أنظار كل حر يرفض الاستكانة والخنوع، فالتاريخ يكتبه الأحرار بدماء ثباتهم وصدق مواقفهم، وصنعاء، وهي تعتلي هذا المنبر الشامخ، تذكر العالم أجمع بأن الحضارة الحقيقية ليست أبراجًا تتطاول في السماء، بقدر ما هي قمم الأخلاق والمبادئ التي تتطاول لتلامس الثريا.
ستظل صنعاء، كما كانت دومًا، منبرًا يتحدث بلغة العظماء، ومأوى يضم بين جنباته الشرفاء، ورمزًا حيًا لأمةٍ تأبى أن تموت أو تنحني لغير الله الواحد القهار.
