الرئيسية زوايا وآراء “ولا يزالون يقاتلونكم”

“ولا يزالون يقاتلونكم”

لقد جعل الله اليهود في كتابه الكريم رمزًا للباطل ومقياسًا للشر في أشكاله كافة، ولذلك فإن أي تعاطفٍ معهم، أو انحيازٍ لهم، أو حتى تطابقٍ في المصالح مع مشروعهم، إنما هو إقرارٌ صريحٌ بمناوأة الحق والانحياز إلى جبهة الباطل. ومآل هذا الانحياز لا يكون إلا الخسران في الدنيا والآخرة، حيث لا كرامة تُنال ولا عزة تُكتسب لمن اختار ولاية الشيطان وحزبه.

وفي واقعنا اليوم يتضح هذا الأمر بجلاء؛ فالعدوان الصهيوني لم يعد يجرؤ على شنّ حربٍ على أي بلد إلا بعد أن يصنع في داخله أرضية من القبول أو الرأي العام المؤيد، سواءً عبر أحزابٍ سياسية، أو نخبٍ فكرية، أو حتى جماعاتٍ دينية تتستر باسم الدين لتبرير خيانتها. وهكذا نشهد اليوم أطرافًا تعلن بلا مواربة ولاءها للكيان اليهودي، متجاوزةً دينها وهويتها، بل ومستهينة حتى بمصالحها القومية التي تذوب أمام مطامع هذا الكيان.

وكما هو الحال في اليمن، فإن الشعب بأسره مجمعٌ على مناصرة قضاياه القومية وفي مقدمتها قضية فلسطين. ولعل أعظم ما يميز اليمنيين أنهم لا يقبلون بأي صورةٍ من صور المهادنة أو التطبيع مع الصهاينة، إذ يرون في ذلك تفريطًا بالدين وخيانةً للأمة. ومن يتبنى مواقف الكيان فقد حكم على نفسه بالضياع والانزواء خارج الصف الوطني والإسلامي.

ففلسطين في وجدان اليمنيين ليست مجرد قضية سياسية، بل هي قضية مقدسة متجذرة في عقيدتهم وثقافتهم. وقد جسّدوا هذا الموقف في كل مراحل تاريخهم الحديث؛ فمنذ عقودٍ طويلة كان اليمن حاضراً في جميع المظاهرات والمسيرات المناصرة لفلسطين، وصولًا إلى الحشود المليونية التي تخرج اليوم في صنعاء وغيرها من المدن اليمنية رافعةً شعار الحرية لفلسطين والموت لـ”إسرائيل”. بل إن اليمن اليوم هو البلد العربي الوحيد الذي أعلن مواجهة مفتوحة مع الكيان، حيث امتدت عمليات قواته البحرية والجوية لتستهدف السفن الإسرائيلية في البحر الأحمر، في موقف لم يجرؤ عليه أحد من الأنظمة العربية.

وبالرجوع إلى النص القرآني، تتضح لنا الرؤية الصحيحة، وهي أن نقف صفًا واحدًا إلى جانب الإسلام والمسلمين في مواجهة أعداء الله وأعداء الأمة، {وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ}. وهنا وحدها تكمن الحرية الحقيقية والكرامة الأصيلة، أما أشكال العمالة والخيانة فلن تجلب لأصحابها إلا الذل في الدنيا والعذاب في الآخرة.
وقد رأينا ذلك جليًا في واقعنا اليمني؛ فالعمالة للنظامين السعودي والإماراتي أخزت حزب الإصلاح والعفافيش على السواء، وأسقطت عنهم أي غطاء وطني أو ديني كانوا يتسترون به. وحين انتقلوا إلى المعسكر الصهيوني بشكلٍ علني وصريح، فإنهم بذلك لم يكتفوا بالخيانة السياسية، بل أعلنوا عمليًا عن ردتهم عن الإسلام، حتى وإن احتفظوا ببعض الشكليات والطقوس التي لا تقدم ولا تؤخر في ميدان الصراع الإسلامي ضد أعداء الله.

لقد حسم الشعب اليمني موقفه مبكرًا، فبينما سقطت أنظمة عربية كبرى في وحل التطبيع، ظل اليمن يرفع رايته بوضوح: رفض مطلق للكيان الصهيوني، ومواجهة عملية تُترجم في ميادين البحر الأحمر والعمق الفلسطيني. وفي المقابل، فإن كل من ارتمى في حضن المشروع الصهيوني، لم يجنِ سوى الخزي والانتحار السياسي والأخلاقي، وشهدنا ذلك في تهاوي نفوذ أدوات العدوان وفقدانهم للقاعدة الشعبية التي لفظتهم بلا رجعة.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

محمد محسن الجوهري

لا يوجد تعليقات

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا

Exit mobile version