في الذكرى الثانية لاستشهاد الطفلة هند رجب، تعود المأساة التي هزّت الضمير الإنساني لتفرض نفسها شهادةً دامغة على طبيعة العدوان المستمر على غزة، بعدما نشرت صحيفة “نيويورك تايمز” مقالًا مؤلمًا بقلم والدتها وسام حمادة، تحوّل فيه الفقد الشخصي إلى اتهام أخلاقي وسياسي مباشر لمنظومة القتل والحصار وصمت العالم.
تستحضر الأم في مقالها صوت ابنتها الذي لا يزال يطاردها، صوت طفلة محاصَرة بين الدبابات وجثث عائلتها، تتوسل النجاة عبر اتصال هاتفي بات رمزًا عالميًا لـخذلان الإنسانية لأطفال فلسطين. هند، التي لم تتجاوز خمس سنوات، كانت كما تصفها والدتها “الأمل الذي جاء بعد سنوات من الانتظار”، في حياة لم تعرف يومًا الاستقرار، بل كانت معلّقة دائمًا بين النزوح والموت تحت القصف.
وتسرد وسام تفاصيل يوم 29 يناير/كانون الثاني 2024، حين استُهدفت السيارة التي كانت تقل عائلة هند في غزة، لتبقى الطفلة وحيدة لساعات طويلة تطلب المساعدة، بينما المماطلة في السماح للإسعاف ثم استهداف المسعفين أنفسهم أغلق آخر نافذة للنجاة، قبل أن يُعثر على هند شهيدة داخل السيارة بعد نحو أسبوعين. ورغم نفي سلطات الاحتلال وجودها أو حاجتها لإذن، خلصت تحقيقات متعددة إلى أن قوات الاحتلال كانت حاضرة في المكان، وأنها المسؤولة المباشرة عن مقتل هند وبقية أفراد العائلة.
ولا تتوقف الأم عند حدود الفاجعة الشخصية، بل تضع استشهاد ابنتها في سياق أوسع، مؤكدة أن هند واحدة من أكثر من 20 ألف طفل فلسطيني قُتلوا منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مشككة في أي حديث عن تهدئة، وواصفة وقف إطلاق النار المعلن في 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025 بأنه “شكلي”، في ظل استشهاد أكثر من 100 طفل بعد دخوله حيز التنفيذ.
وتوضح وسام أن مشاركتها في توثيق قصة ابنتها سينمائيًا جاءت رفضًا لتحويل هند إلى “رقم عابر” في نشرات الأخبار، بل لتكون صرختها أداة لإنقاذ من تبقى من الأطفال. وقد بلغ هذا الصوت العالمي ذروته مع وصول فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية إلى القائمة النهائية لجوائز الأوسكار كأفضل فيلم دولي، واضعًا جرائم قتل الأطفال في غزة أمام الرأي العام العالمي بلا أقنعة.
وفي ختام شهادتها، تطالب الأم بحماية حقيقية للأطفال، تشمل “وقف القصف”، و”وقف تدفق السلاح”، وفتح ممرات طبية وإنسانية، وضمان المساءلة عن قتل الأطفال، معتبرة أن الصمت الدولي تجاه القتل والتجويع والتهجير شكل من أشكال التواطؤ. وتؤكد أن “مقتل ابنتي هند لم يكسرني، لكنه حمّلني مسؤولية أم، أن أضمن ألا يُترك أي طفل آخر دون أن يُسمع صوته”—رسالة تختصر جوهر القضية: أطفال يُقتلون، وعالم يشيح بوجهه.
