تعيش المكسيك، وخصوصًا ولاية خاليسكو، حالة أمنية شديدة الاضطراب عقب مقتل زعيم كارتل “خاليسكو الجيل الجديد” (CJNG) نيميسيو أوسيغيرا سيرفانتس المعروف بـ“إل مينتشو” خلال عملية عسكرية، في تطور يُعدّ من أكبر الضربات التي تلقتها شبكات الجريمة المنظمة في البلاد منذ سنوات.
وبحسب تقارير دولية، أُصيب “إل مينتشو” خلال العملية ثم توفي متأثرًا بإصاباته أثناء نقله جوًا، فيما أشارت المعطيات إلى وجود دعم معلوماتي أميركي للعملية، ما يمنح الحدث بُعدًا أمنيًا إقليميًا يتجاوز الداخل المكسيكي.
لكن العملية التي أنهت وجود رأس الكارتل لم تُنهِ التهديد فورًا، بل أطلقت موجة ارتدادات عنيفة في مناطق نفوذ العصابة، حيث أعقبتها تحركات انتقامية شملت إحراق مركبات وقطع طرق وإقامة حواجز نارية في عدة مناطق، مع تركّز واضح في خاليسكو والغرب المكسيكي. وتشير الوقائع إلى أن الدولة المكسيكية دخلت مرحلة احتواء أمني عاجل، بينما يُظهر رد الكارتل أن مقتل الزعيم لا يعني بالضرورة انهيار البنية الميدانية للتنظيم في الساعات الأولى.
وفي واشنطن، وصف مسؤولون أميركيون مقتل “إل مينتشو” بأنه “تطور كبير لصالح المكسيك والولايات المتحدة وأميركا اللاتينية”، وهو توصيف يعكس حجم تأثير الرجل في شبكات تهريب المخدرات الإقليمية، خاصة في تجارة الفنتانيل والميثامفيتامين. غير أن هذا الترحيب السياسي ترافق مع قلق واضح من تصاعد العنف بعد العملية، بما يعكس إدراكًا بأن الضربة النوعية قد تُنتج فراغًا دموياً وصراع نفوذ داخل الكارتل بدلًا من استقرار فوري.
وتحوّل التصعيد الأمني سريعًا إلى أزمة نقل وسياحة، بعدما علّقت شركات طيران أميركية وكندية رحلاتها إلى مطار بويرتو فالارتا، إحدى أبرز الوجهات السياحية في خاليسكو، بسبب العنف المرتبط بعصابات المخدرات. كما صدرت تحذيرات أمنية للمواطنين الأجانب، مع متابعة كندية لصيقة للوضع الأمني وتحذيرات من السفر، ما يكشف أن تداعيات الحدث لم تبقَ محصورة في البعد الأمني، بل بدأت تمس السياحة وحركة السفر والاقتصاد المحلي في غرب المكسيك.
ميدانيًا، تؤكد المعطيات المتداولة وقوع أعمال عنف واسعة في ولاية خاليسكو عقب مقتل زعيم الكارتل، مع مشاهد فوضى وتوتر في مناطق حضرية وسياحية، حيث حصل هروب جماعي من سجن إكستابا في بويرتو فالارتا، وسيطر مسلحي العصابة على مواقع محددة. وحتى الآن أن المشهد الأمني يتجه نحو تصعيد انتقامي منظم أكثر من كونه ردود فعل متفرقة.
وتكمن خطورة هذه المرحلة في طبيعة كارتل CJNG نفسه، إذ يُعد من أكثر التنظيمات الإجرامية تسليحًا وتنظيمًا وعنفًا في المكسيك، وله حضور واسع في شبكات التهريب والاشتباك المباشر مع القوات الأمنية. لذلك، فإن ما بعد مقتل “إل مينتشو” قد يفتح أحد مسارين: إما صراع دموي على الخلافة داخل الكارتل، أو انتقال قيادة يحافظ على البنية التشغيلية للعصابة مع استمرار العنف كأداة لإثبات القوة وفرض الردع على الدولة.
في المحصلة، تمثل العملية العسكرية ضد “إل مينتشو” إنجازًا أمنيًا كبيرًا للحكومة المكسيكية، لكنها في الوقت ذاته فتحت اختبارًا شديد الحساسية لقدرة الدولة على استثمار الضربة استراتيجيًا. فالمعركة لم تعد فقط في “قتل الزعيم”، بل في تفكيك البنية المالية والعسكرية للكارتل ومنع تحوّل الرد الانتقامي إلى موجة عنف ممتدة. وحتى الآن، تبدو خاليسكو أمام لحظة مفصلية: إما استعادة الدولة للمبادرة، أو دخول مرحلة أكثر تعقيدًا من الفوضى المسلحة.
