ذات صلة

الأكثر مشاهدة

للباطل صولة ثم يضمحل

كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-:...

أيُّ عالم عربي ومسلم منافق هذا..؟

إذا كانت عدالةُ الأرض تقول بتجريم استهداف المطارات والمنشآت...

البحر يدخل المعادلة بصاروخ كروز بحري: ماذا يعني استهداف المقاومة لبارجة إسرائيلية؟

أعلنت المقاومة الإسلامية في لبنان استهدافها، منتصف ليل 5 نيسان/أبريل 2026، بارجة حربية إسرائيلية في عرض البحر قبالة السواحل اللبنانية، في عملية تستحضر القدرات البحرية المتطورة للحزب، وتطرح تساؤلات حول التقديرات الإسرائيلية بشأن ترسانته الصاروخية.

ومنذ توسع العدوان على لبنان في 2 آذار/مارس الماضي، بدأ الاحتلال الإسرائيلي يعتمد على بوارجه الحربية لاقتصاد ذخائره للعمليات الكبرى، ولا سيما في الساحة الرئيسية في إيران التي تشنّ “إسرائيل” والولايات المتحدة عدواناً مشتركاً عليها منذ 28 شباط/فبراير 2026.

وفي بيانٍ له، قال الحزب إنّ الاستهداف تم عند الساعة 00:05 فجر الأحد، بواسطة صاروخ كروز بحري، بعد عملية رصد استمرت لساعات، وأدّت إلى إصابة مباشرة للهدف على بُعد نحو 68 ميلاً بحرياً، مستهلاً البيان بالعبارة للأمين العام لحزب الله الشهيد السيد حسن نصر الله في حرب تموز: “الآن في عرض البحر، البارجة الحربية العسكرية الإسرائيلية التي اعتدت على بنيتنا التحتية، وعلى بيوت الناس وعلى المدنيين، انظروا إليها تحترق”.

ونفى “جيش” الاحتلال الإسرائيلي إصابة أي قطعة بحرية تابعة له، إلا أنّ هذا النفي سبق أن تكرّر خلال حرب تموز 2006.

ففي حادثة استهداف البارجة “ساعر 5” آنذاك، سارعت “إسرائيل” في الساعات الأولى إلى التقليل من حجم الضربة، قبل أن تعود لاحقاً لتقرّ بسقوط قتلى وجرحى في صفوف طاقمها، مع أضرار كبيرة لحقت بالبارجة.

وأعادت هذه العملية، الأولى من نوعها منذ 20 عاماً، إلى الأذهان استهداف سلاح البحرية التابع للمقاومة للبارجة الإسرائيلية “ساعر 5” مساء 14 تموز/يوليو 2006، باستخدام صاروخ صيني الصنع من طراز C-802، بمدى يُقدّر بنحو 120 كلم.

واليوم، وبعد حرب الـ66 يوماً في أواخر عام 2024، التي شنّها الاحتلال الإسرائيلي، والتي زعم في 27-28 أيلول/سبتمبر 2024 أنّه قصف فيها “أسلحة استراتيجية ومنظومة أسلحة بحرية لحزب الله مصدرها إيران”، فإنّ الحديث عن صاروخ “كروز بحري” يشير إلى تطور نوعي في ساحة المعركة.

فبينما ينخرط الحزب في مواجهة ميدانية مفتوحة في جنوب لبنان، أكّد في عمليته في البحر قدرته على إدارة رصد متزامن ومتعدد الجبهات يشمل البحر أيضاً. كما أنّ إصابة هدف على بعد 68 ميلاً بحرياً، نحو 125 كلم، تعني قدرة الحزب على العمل في عمق البحر لا ضمن النطاق الساحلي فقط.

كما تشير الضربة إلى الدقة في الإصابة، فإنّ صواريخ “كروز” تعتمد على أنظمة توجيه متقدمة (رادارية/قصورية/أقمار اصطناعية)، ما يرفع احتمالات الإصابة المباشرة.

لكن إصابة بارجة على هذا البعد تعيد فتح فجوة التقدير، وهو ما أقرّ به مسؤول عسكري إسرائيلي، قائد المنطقة الشمالية، الذي أشار في تسريب إلى تفاجؤ “الجيش” بحجم القدرات الصاروخية الفعلية لدى الحزب مقارنة بالتقديرات السابقة.

الرسائل العسكرية: ما بعد الاستهداف

تحمل هذه العملية رسائل عسكرية تعكس تحوّلًا في طبيعة المواجهة.

في المستوى الأول، تعيد العملية تثبيت معادلة الردع البحري، عبر كسر فرضية أنّ البحر يشكّل مساحة آمنة للعمليات الإسرائيلية. فالبوارج التي اعتمدت عليها “إسرائيل” لم تعد بمنأى عن الاستهداف، بما يهدد “الملاذ البحري” كخيار منخفض المخاطر.

أما في المستوى الثاني، فتوجّه العملية تهديداً نحو المنشآت الحيوية في شرق المتوسط، وفي مقدمتها حقول الغاز والبنية التحتية المرتبطة بها، إلى جانب السفن العسكرية وسفن الدعم، ما يعني أنّ دائرة النار لم تعد محصورة بالشاطئ.

وفي بعدٍ ثالث، تشكّل العملية نفياً عملياً للرواية الإسرائيلية التي تحدثت عن تدمير القدرات الصاروخية الاستراتيجية لدى حزب الله. فالإصابة الدقيقة وبهذا المدى تعكس إمّا بقاء هذه القدرات أو إعادة بنائها.

والرسالة الأبرز تتمثل في توسيع نطاق الاشتباك، حيث لم تعد المواجهة محصورة بالجبهة البرية أو المجال الجوي، بل انتقلت إلى عمق البحر، ما يفرض على “إسرائيل” إعادة توزيع قدراتها الدفاعية والهجومية ورفع كلفة عملياتها على أكثر من محور.

في المحصّلة، يدخل الحزب خلال هذه الحرب عناصر جديدة إلى المعركة بشكل متدرّج، سواء على مستوى السلاح أو نطاق العمليات أو طبيعة الأهداف، وفق إيقاع مدروس يواكب تطوّر الميدان. وتشير طبيعة هذا النمط إلى أنّ هامش المفاجأة لم يُستنفد بالكامل، وأنّ ما ظهر حتى الآن قد لا يكون سوى جزء من قدرات يحتفظ بها الحزب لمراحل لاحقة.

spot_imgspot_img