قالت صحيفة نيويورك تايمز إن المواجهة الأمريكية ـ الإسرائيلية مع إيران كشفت حدود القوة الأمريكية في الخليج، وعرّت هشاشة المظلة الأمنية التي اعتمدت عليها دول المنطقة لعقود، وسط تصاعد التساؤلات بشأن قدرة واشنطن على البقاء ضامناً موثوقاً لأمن حلفائها.
وأوضحت الصحيفة، في تقرير لها، أن الحرب الأخيرة مع إيران لم تكن مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل شكلت صدمة استراتيجية لدول الخليج، التي وجدت نفسها أمام واقع جديد بعد تعرض البحرين وقطر والإمارات لهجمات مباشرة طالت قواعد عسكرية ومنشآت حيوية وفنادق، إضافة إلى التداعيات الواسعة لإغلاق مضيق هرمز على أسواق الطاقة وحركة الملاحة.
وبحسب التقرير، فإن دول الخليج تنفست الصعداء بعد التوصل إلى اتفاق أولي بين واشنطن وطهران، لكنها في الوقت ذاته خرجت من الحرب بأسئلة عميقة حول جدوى الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة، خاصة بعدما عجزت واشنطن عن منع إغلاق هرمز أو توفير حماية كاملة لشركائها من الصواريخ والمسيّرات الإيرانية.
ونقلت الصحيفة عن سنام وكيل، مديرة برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في تشاتام هاوس، قولها إن الضمان الأمني الأمريكي لم يعد يتمتع بالموثوقية ذاتها التي كان يُنظر إليه بها سابقاً، في ظل إخفاق بعض منظومات الدفاع الأمريكية في اعتراض الطائرات المسيّرة الإيرانية، وعجز واشنطن عن التحكم بمسار التصعيد.
وأشار التقرير إلى أن الحرب، التي استمرت قرابة أربعة أشهر، عمّقت شعوراً متزايداً لدى عواصم الخليج بأن الولايات المتحدة باتت أقل رغبة في الانخراط العميق في صراعات الشرق الأوسط، وأكثر انشغالاً بأزماتها الداخلية وأولوياتها العالمية الأخرى.
وتبعاً لذلك، بدأت دول مثل السعودية والإمارات والكويت توسيع شراكاتها الأمنية والعسكرية مع أطراف أخرى في أوروبا وآسيا، ضمن توجه متصاعد نحو تنويع التحالفات وتقليل الارتهان الكامل لواشنطن، حتى وإن ظل الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في المنطقة عاملاً يقيّد أي تحول جذري وسريع.
وكشفت الصحيفة أن نقاشات داخلية بدأت بالفعل في بعض العواصم الخليجية حول تقليص الاعتماد الاستراتيجي على الولايات المتحدة، بعد أن أظهرت الحرب أن القواعد الأمريكية نفسها قد تتحول إلى أهداف، وأن وجود القوات الأمريكية لا يعني بالضرورة حماية مطلقة للدول المضيفة.
من جهته، رأى بدر السيف، الأستاذ المساعد في التاريخ بجامعة الكويت، أن المرحلة الراهنة تفرض على دول الخليج تحمل مسؤولية أكبر عن أمنها، من خلال تطوير الجيوش الوطنية وتعزيز القدرات الدفاعية الذاتية، بدلاً من الاتكال الدائم على الحماية الأمريكية.
وأشار السيف إلى أن إيران، رغم العقوبات والضغوط، نجحت في بناء منظومة دفاعية فعالة، معتبراً أن دول الخليج تمتلك الإمكانات المالية والمعرفية التي تؤهلها لبناء نموذج دفاعي متقدم، إذا توفرت الإرادة السياسية والتنسيق الإقليمي.
وتخلص قراءة نيويورك تايمز إلى أن مستقبل الأمن الخليجي قد يتجه نحو نموذج جديد يقوم على تنويع الشراكات وتعزيز التعاون الإقليمي، بعيداً عن الارتهان الكامل للمظلة الأمريكية التي كشفت الحرب الأخيرة حدود قدرتها على الردع والحماية.
