ذات صلة

الأكثر مشاهدة

ورد الآن.. صنعاء تزف بشرى سارة لأبناء تعز

زفّت سلطات صنعاء بشرى لأبناء محافظة تعز، بإعلان فتح...

السيد الحوثي يوجه رسالة مباشرة إلى قطر (تفاصيل فحواها)

وجّه قائد أنصار الله السيد عبدالملك بدرالدين الحوثي رسالة...

توقيع مذكرة التفاهم رسمياً ودخولها حيز التنفيذ.. واشنطن توقّع تحت سقف الردع الإيراني مذكرة تُنهي الحرب وتُبقي قدرات طهران الدفاعية خارج التفاوض

في تطور سياسي واستراتيجي بالغ الدلالة، دخلت مذكرة التفاهم بين الجمهورية الإسلامية الإيرانية والولايات المتحدة الأمريكية حيّز التنفيذ، بعد توقيعها إلكترونيًا من الجانبين، في خطوة تعكس حجم التحول الذي فرضته معادلة الردع الإيرانية على مسار الحرب، وتنقل المواجهة من ميدان التصعيد العسكري إلى مساحة التفاهمات المشروطة، دون أن تمسّ بثوابت طهران السيادية أو قدراتها الدفاعية.

وبحسب ما نقلته أكسيوس عن مسؤولين أمريكيين، فإن “الولايات المتحدة وإيران وقعتا إلكترونيًا مذكرة تفاهم لإنهاء الحرب”، فيما أفادت المصادر ذاتها بأن “مذكرة التفاهم دخلت حيّز التنفيذ”، بعد أن وقع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نسخة من الاتفاق خلال عشاء مع الرئيس الفرنسي في قصر فرساي، قبل أن تُرسل صورة الاتفاق الموقّع إلى إيران والدول الوسيطة.

من جهتها، أكدت طهران عبر المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن مذكرة التفاهم “أصبحت رسمية بالكامل” بعد توقيعها من قبل الجانبين، مشيرًا إلى أن التوقيع تم رقميًا، وأن برنامج حضور فريقي التفاوض إلى جنيف لا يزال قائمًا، لكن دون إقامة مراسم توقيع في سويسرا.

وفي قراءة سياسية لمسار الاتفاق، حرصت إيران على تثبيت معادلة واضحة: إنهاء الحرب لا يعني التنازل، والتفاوض لا يعني فتح الملفات السيادية الحساسة. فقد شدد بقائي على أن “لن تتم مناقشة قدراتنا الدفاعية في إطار أي عملية أو مع أي طرف”، وهي عبارة تكشف أن طهران دخلت مرحلة التفاهمات من موقع الثبات لا موقع الضغط، وأن قدراتها العسكرية والصاروخية والدفاعية تبقى خطًا أحمر خارج أي مساومة.

كما أكد بقائي أن الجمهورية الإسلامية “لا تتخلى عن حلفائها في أي ظرف من الظروف”، في رسالة استراتيجية واضحة إلى محور المقاومة، مفادها أن أي تفاهم مع واشنطن لن يكون على حساب الجبهات الحليفة أو قضايا المنطقة، وعلى رأسها لبنان وفلسطين، بل ضمن معادلة تحفظ الحلفاء وتمنع تحويل التسويات إلى أدوات عزل أو تفكيك للمحور.

وتبرز أهمية المذكرة أيضًا في ربطها المباشر بالملف اللبناني، حيث أوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية أن “وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان مهم بقدر أهمية إيران”، مؤكدًا أن مذكرة التفاهم تشدد على “احترام وحدة أراضي لبنان وسيادته الوطنية”. وهذا البند يمنح الاتفاق بعدًا إقليميًا يتجاوز العلاقة الثنائية بين طهران وواشنطن، ويضع سيادة لبنان ضمن معادلة التهدئة المفروضة بقوة الميدان.

وعلى صعيد الملفات اللاحقة، كشف بقائي أن المرحلة المقبلة ستشهد مفاوضات لمدة 60 يومًا بشأن الملف النووي والعقوبات، ابتداءً من دخول مذكرة التفاهم حيّز التنفيذ، بما يعني أن طهران نجحت في فصل وقف الحرب عن ملفات الضغط التقليدية، وفرضت مسارًا تفاوضيًا زمنيًا محددًا لا يلغي حقوقها النووية ولا يفتح الباب أمام ابتزاز سياسي مفتوح.

أما في ملف مضيق هرمز، فقد أكد بقائي أن تعهدات إيران بشأن المضيق ستبدأ بعد توقيع مذكرة التفاهم، لافتًا إلى أنه تم إلى حد كبير الاتفاق مع عُمان على آليات إدارة المضيق، وأن ملفه “يقع على عاتق إيران وعُمان”. كما أوضح أن إيران ستحصل على “مقابل مالي مقابل الخدمات المقدمة في مضيق هرمز”، وهو ما يعكس انتقال المضيق من ورقة ضغط جيوسياسية إلى ملف سيادي واقتصادي تديره طهران من موقع القوة والمسؤولية.

بنود مذكرة التفاهم

وكان نشرت وكالة الأنباء الإيرانية إيرنا نص مذكرة تفاهم إسلام آباد بشأن إنهاء الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، في وثيقة تكشف ملامح مرحلة جديدة تقوم على وقف دائم للعمليات العسكرية، ورفع الحصار البحري، ومعالجة الملفات النووية والاقتصادية ضمن اتفاق نهائي بضمانات دولية.

وبحسب نص المذكرة، تعلن إيران والولايات المتحدة وحلفاؤهما في الحرب الإنهاء الفوري والدائم للعمليات العسكرية في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، في بند يعكس تثبيت مبدأ وحدة الساحات ضمن مسار التفاهم، وعدم حصر وقف الحرب بالجبهة الإيرانية وحدها.

وتتعهد الأطراف بعدم شن أي حرب أو عمليات عسكرية ضد بعضها البعض من الآن فصاعداً، والامتناع عن التهديد أو استخدام القوة، مع التأكيد على ضمان وحدة الأراضي اللبنانية وسيادتها، بما يضع خروقات كيان الاحتلال في لبنان ضمن اختبار مباشر لجدية تنفيذ الاتفاق.

وفي الملف البحري، تنص المذكرة على أن الولايات المتحدة ستبدأ فور التوقيع برفع الحصار البحري عن إيران، على أن يتم إنهاؤه بالكامل خلال 30 يوماً، في حين تتخذ طهران التدابير اللازمة لضمان سلامة مرور السفن التجارية بين الخليج وخليج عُمان.

كما تكشف الوثيقة أن إيران ستجري محادثات مع سلطنة عُمان لتحديد الإدارة والخدمات البحرية المستقبلية في مضيق هرمز، على أن يكون العبور من دون رسوم لمدة 60 يوماً فقط، في إشارة إلى أن أمن الملاحة في المضيق سيبقى خاضعاً لترتيبات جديدة لا تتجاوز الدور الإيراني.

وفي الجانب الاقتصادي، تلتزم الولايات المتحدة بإنهاء جميع العقوبات المفروضة على إيران وفق جدول زمني يتم الاتفاق عليه في إطار الاتفاق النهائي، إضافة إلى منح طهران حق الوصول إلى أموالها المجمدة ضمن تنفيذ مذكرة التفاهم.

أما في الملف النووي، فتتفق إيران والولايات المتحدة على حل مسألة مخزونات المواد المخصبة عبر آلية يتم التوافق عليها بين الطرفين، بما يعني أن هذا الملف سينتقل إلى مسار تفاوضي منفصل ضمن الاتفاق النهائي، لا إلى إملاءات أمريكية مسبقة.

وتنص المذكرة كذلك على أن الاتفاق النهائي سيتم تأكيده بموجب قرار ملزم صادر عن مجلس الأمن الدولي، ما يمنحه غطاءً قانونياً دولياً ويحول دون تحويله إلى تفاهم سياسي هش قابل للتنصل أو المساومة.

وتشير هذه التطورات إلى أن واشنطن وجدت نفسها مضطرة للانتقال من لغة التهديد إلى لغة التوقيع، بعدما أدركت أن توسيع المواجهة مع إيران لن يكون مسارًا مضمون النتائج. فمذكرة التفاهم، بصيغتها الحالية، لا تبدو مجرد تفاهم تقني لإنهاء الحرب، بل وثيقة اعتراف سياسي بوزن إيران الإقليمي وبقدرتها على فرض شروطها الأساسية: الحفاظ على القدرات الدفاعية، حماية الحلفاء، تثبيت سيادة لبنان، وتنظيم ملف هرمز ضمن معادلة إيرانية ـ عُمانية.

spot_imgspot_img