خاص/
بعد أيام من الجدل الواسع الذي رافق حادثة حرضة دمت، وتعدد الروايات المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي حول مصير القعقاع بن عنتر العبسي ومكان وجوده داخل الحرضة، كشف الغواص عبده محمد عبدالله القانص، صاحب مهمة النزول والانتشال، تفاصيل دقيقة حسمت كثيراً من التساؤلات التي شغلت الرأي العام.
وجاءت هذه التفاصيل بعد تواصل مباشر أجراه د. كمال البعداني مع الغواص عبده القانص، الذي روى ما حدث منذ لحظة وصوله إلى دمت وحتى انتهاء المهمة التي وُصفت بالصعبة والخطرة.
الغواص عبده محمد عبدالله القانص، من أبناء حراز بمحافظة صنعاء، وكان من منتسبي القوات الخاصة سابقاً، ويعمل حالياً مع الدفاع المدني، أوضح أنه وصل إلى مدينة دمت عند الساعة 1:30 بعد منتصف ليلة السبت، برفقة شقيقه صادق القانص وفريق من الدفاع المدني، وذلك بتكليف رسمي من العاصمة صنعاء.
وفي صباح السبت، صعد الفريق إلى موقع الحرضة، واطلع الغواص على طبيعة المكان قبل بدء المهمة، ليبدأ بعدها النزول إلى واحدة من أخطر الفوهات البركانية المعروفة في اليمن.
وحسم الغواص عبده محمد الجدل بشأن موقع القعقاع داخل الحرضة، مؤكداً أن القعقاع -رحمه الله- لم يكن في قاع الحرضة كما كان يعتقد البعض، بل كان موجوداً في موقع علق فيه بشبك حديدي قديم سقط إلى داخل الحرضة.
وأشار إلى أنه استخدم حبلاً حرارياً مخصصاً لهذه المهام بطول 100 متر، ثم تمت إضافة 20 متراً أخرى، ليصل إجمالي طول الحبل إلى 120 متراً، إضافة إلى 10 أمتار احتياطية للأمان، موضحاً أن المسافة من فوهة الحرضة إلى سطح الماء تقارب 100 متر.
كما بيّن أنه كان يرتدي بدلة خاصة عازلة للحرارة ومجهزة لمثل هذه الظروف، نظراً لطبيعة المكان وحرارة المياه وخطورة النزول.
وأضاف الغواص أنه بعد وصوله إلى سطح الماء، نزل لمسافة تتراوح بين 18 و20 متراً حتى وصل إلى الموقع المطلوب، مؤكداً أن عملية النزول لم تكن عشوائية، بل تمت وفق زوايا ومسارات مدروسة تراعي طبيعة الحرضة وخطورة المكان.
وقال إن المهمة، منذ النزول داخل الماء وحتى العودة إلى الأعلى، استغرقت قرابة 40 دقيقة، حيث تم الوصول إلى السطح عند الساعة 10:15 صباح السبت.
وعن حرارة المياه داخل الحرضة، أوضح الغواص أنها كانت قريبة من حرارة “الجاكوزي”، مشيراً إلى أن أفضل توقيت لتنفيذ مثل هذه المهام يكون قبل الظهيرة، بسبب ملاءمة الظروف في ذلك الوقت.
كما شدد على أن الصعود إلى السطح يجب أن يتم بشكل تدريجي، تفادياً لأي مضاعفات صحية قد يتعرض لها الغواص نتيجة تغيرات العمق والضغط والجهد المبذول.
وفي حديثه عن قاع الحرضة، قال الغواص إن “قعر الحرضة لا يعلم به إلا الله”، موضحاً أن “عمقها الحقيقي ما يزال غير معروف، وأن الوصول إليه ليس بالأمر السهل”.
وكان القعقاع بن عنتر العبسي قد ارتبط بحرضة دمت قبل الحادثة بسنوات، إذ لم يكن زائراً عابراً للمكان، بل واحداً من أبرز الوجوه التي عرّفت الناس بهذا المعلم الطبيعي عبر مقاطع مصورة كان ينشرها على مواقع التواصل الاجتماعي.
واشتهر القعقاع بلقب “سبايدر مان اليمن”، بسبب خفة حركته وجرأته وقدرته على التسلق والتنقل فوق الصخور الحادة والمنحدرات شديدة الوعورة. وكان يقدم عروضاً بدنية لافتة تعتمد على التوازن، والقفز، والتسلق، والتحكم بالجسد فوق الحواف الصخرية، وهي موهبة صنعت له حضوراً واسعاً بين متابعيه.
غير أن هذه الشهرة كشفت في الوقت نفسه حجم المخاطر التي تحيط بمثل هذه المغامرات، خصوصاً عندما تُمارس في مواقع طبيعية غير مؤمنة بالكامل، ولا تتوفر فيها وسائل السلامة والإنقاذ الدائمة.
وتُعد حرضة دمت واحدة من أبرز الفوهات البركانية الخامدة في اليمن، وتقع في محافظة الضالع، وتشتهر بتكويناتها الصخرية الحادة ومياهها الكبريتية الحارة في الأسفل، ما جعلها مقصداً سياحياً وطبيعياً لافتاً.
لكن طبيعة المكان، بما فيها الانحدارات الشديدة، والعمق الكبير، والصخور الزلقة، وارتفاع حرارة المياه، تجعل الدخول إليها أو النزول في محيطها مهمة شديدة الخطورة، لا ينبغي أن تتم إلا عبر فرق متخصصة وتجهيزات إنقاذ كاملة.
وقد أعادت الحادثة تسليط الضوء على هذا المعلم الطبيعي الخطير، الذي ظل لسنوات مسرحاً لمغامرات القعقاع وعروضه الجريئة، قبل أن تنتهي قصته داخله بصورة مأساوية أثارت حزناً واسعاً.
كما فتحت الحادثة نقاشاً عاماً حول ضرورة تأمين حرضة دمت، ليس بوصفها معلماً طبيعياً وسياحياً فحسب، بل باعتبارها موقعاً شديد الخطورة يحتاج إلى لوحات تحذيرية، وحواجز حماية، وتنظيم واضح لعمليات النزول والتصوير والمغامرة.
فالموقع، بطبيعته الصخرية وانحداراته القاسية ومياهه الحارة وعمقه غير المعروف بدقة، لا يحتمل التعامل معه كهواية فردية أو مغامرة عابرة، بل يتطلب إشرافاً متخصصاً وتجهيزات إنقاذ دائمة، حتى لا يتحول هذا المعلم الطبيعي إلى مسرح لحوادث جديدة.
