خاص/
لم تكن القضية التي علّق عليها وزير الدولة السابق في حكومة صنعاء فارس مناع مجرد خلاف عابر حول منزل في العاصمة اليمنية صنعاء، ولا سجالاً شخصياً بين أطراف اجتماعية، بل تحوّلت خلال أيام إلى نموذج واضح لمحاولة صناعة فتنة داخلية من بوابة حساسة: النسب، العقار، القبيلة، ومواقع التواصل. وما بدأ بادعاء امرأة انتسبت زوراً إلى الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين، انتهى إلى مطارح في الريان وتحشيد قبلي مشبوه، قبل أن تأتي توضيحات مناع لتعيد الملف إلى أصله: “ادعاء سقط رسمياً، وحق إن وُجد فطريقه القضاء والحارس القضائي لا المنصات ولا المطارح المدفوعة”.
القضية بدأت من المدعوة التي ظهرت باسم “ميرا صدام حسين المجيد”، وأنها مالكه للعقار الذي يقطنه مناع، قبل أن تحسم وزارة الداخلية في صنعاء الجدل أن تلك الادعاءات “عارية عن الصحة جملة وتفصيلاً”، وأن الاسم الحقيقي للمرأة هو سمية أحمد محمد عيسى الزبيري، يمنية الجنسية، من مواليد حي هبرة بأمانة العاصمة، وتنحدر أسرتها من مديرية أرحب بمحافظة صنعاء. وأكدت الوزارة أن فحص البصمة الوراثية أثبت بنسبة 99.99% أن والدها الحقيقي هو أحمد محمد عيسى الزبيري، وأن والدتها هي دولة ناصر فارع مزود، بما أسقط الرواية التي حاولت ربطها بالرئيس العراقي الأسبق صدام حسين. كما أوضح البيان أن والدها ينحدر من منطقة ذيبان بني عيسى بمديرية أرحب، وكان يعمل سابقاً في مهنة اللحام، ويقيم في حي هبرة بأمانة العاصمة.
غير أن سقوط رواية النسب لم يوقف محاولات الاستثمار السياسي والقبلي في القضية. فبدلاً من إغلاق الملف عند حدود الحقيقة الرسمية، جرى نقله إلى عنوان آخر: “منزل يسكنه فارس مناع في صنعاء”. وهنا خرج مناع ليؤكد أنه “مجرد مستأجر” للبيت من علي صالح الأحمر منذ عام 2017، وأن استئجاره تم في ظروف العدوان حين كانت الشخصيات والمواطنون عرضة للاستهداف، ثم انتقلت إدارة البيت لاحقاً إلى الدولة عبر الحارس القضائي بعد أحداث الثاني من ديسمبر، وبقي هو فيه وفق الإيجار السابق وبموافقة الجهة المختصة.
بهذا التوضيح، أسقط مناع محاولة تصوير الأمر كاستيلاء أو نهب، ووضعه في إطاره القانوني: “عقار تحت إدارة الحارس القضائي، ومستأجر قائم، وأي طرف يدّعي الملكية عليه أن يقدّم وثائقه عبر الجهات المختصة”. ولذلك بدا مناع مستغرباً من أن تتحول القضية إلى حملة في وسائل التواصل، في حين أن أبسط مساراتها كان يفترض أن يبدأ من قسم الشرطة أو القضاء أو الحارس القضائي، لا من التحريض الإعلامي ولا من استدعاء القبائل إلى معركة بلا وثائق.
الأخطر في المسار، وفق قراءة صنعاء، كان دخول المدعو حمد بن فدغم الحزمي على خط القضية. فالرجل لم يتحرك كوسيط قبلي يطلب الإنصاف وفق السلف والعرف، بل ظهر في مسار تصعيدي متدرج بدأ من إثارة القضية إعلامياً، إلى الضغط الاجتماعي، ثم الانتقال إلى مطارح الريان في الجوف، في منطقة واقعة تحت نفوذ القوى الموالية لتحالف العدوان السعودي الأمريكي. ومن هنا قرأت صنعاء تحركاته بوصفها محاولة سعودية لتفخيخ الداخل القبلي، وتحويل قضية منتحلة إلى أداة لإثارة الفتنة بين قبائل اليمن.
وتبرز هنا المفارقة الأشد وضوحاً في خطاب فدغم؛ فهو يرفع اليوم شعار “الحمية للمرأة” في قضية سقط أصلها ببيان رسمي وبإقرار أهل سمية الزبيري، لكنه لم يُعرف له موقف مماثل من عشرات الجرائم التي ارتكبها التحالف بحق نساء اليمن طوال سنوات العدوان. فأين كانت حميته حين استهدف طيران العدوان السعودي الأمريكي، مطلع العام 2017، منزل أسرة السيدة حمدة المحبوبي في وادي حباب بمديرية صرواح في مأرب، ما أدى إلى مقتل خمسة من أفراد أسرتها وإصابة ثلاثة آخرين، بينهم الأم حمدة؟ وأين كانت غيرته القبلية والإنسانية من قضية الأسيرة سميرة مارش في سجون حزب الإصلاح بمأرب؟ هذه الانتقائية تكشف أن القضية ليست نخوة ولا إنصافاً لامرأة، بل استثمار سياسي مشبوه في عنوان المرأة والقبيلة، يُراد منه تحويل بندقية القبيلة إلى أداة مدفوعة الأجر لمشاريع الخارج.
مناع، في رده، لم ينفِ حق أي طرف في المطالبة إن كان يملك وثيقة، لكنه رفض القفز فوق الدولة والعرف. قال إن حمد فدغم “لم يتصل به، ولم يرسل طلباً عبر مشايخ القبائل، ولم يأتِ بمستند، ولم يسلك طريق الشرطة أو القضاء، بل ذهب إلى وسائل التواصل”.
وفي منطق القبيلة اليمنية شدد مناع إن السلف والعرف ليسا فوضى ولا منصة تشهير، بل منظومة قيم تضبط المطالب، وتمنع التسرع، وتحفظ للبيوت حرمتها وللناس كرامتهم.
وتكشف شهادة مناع أن التصعيد لم يبقَ كلاماً على المنصات، بل وصل إلى محيط المنزل، إذ تحدث عن حضور فدغم ومعه نحو خمسة عشر شخصاً مسلحا إلى البيت، معتبراً ذلك انتهاكاً لحرمة المنزل وتجاوزاً لا ينسجم مع الشرع ولا العرف ولا القانون. وفي الوقت ذاته، نفى مناع بصورة قاطعة مزاعم لقائه فدغم أو زيارته في السجن أو تهديده، مؤكداً أنه لا يعرفه شخصياً ولم يره إلا عبر مواقع التواصل.
ورغم ذلك، اختار مناع امتصاص الفتنة لا توسيعها. فقد أوضح أنه، احتراماً للقبائل وحرصاً على تصفية ما له وما عليه، قدّم سيارة كضمانة قبلية لدى قبائل بني نوف، بما يعني أنه لم يتهرب من التحكيم أو الإنصاف، لكنه رفض تحويل القبيلة إلى أداة ابتزاز، ورفض أن تصبح الأعراف سوقاً مفتوحاً للمزايدات والتشهير. هذه النقطة تحديداً هي جوهر الرسالة التي أراد إيصالها: من يريد حقاً فليأتِ من بابه، ومن يريد فتنة فستكشفه خطواته.
وتكتسب تصريحات مناع أهميتها لأنها جاءت بعد أن اتخذ الملف بُعداً قبلياً وسياسياً أوسع، خصوصاً عقب انتقال فدغم إلى الريان ورفع سقف الخطاب باسم القبيلة، في محاولة لإعادة إحياء رواية سقطت رسمياً. غير أن ردود الفعل القبلية، وفي مقدمتها المواقف الصادرة عن مشايخ وأعيان من الجوف، أظهرت أن الغطاء القبلي ليس مفتوحاً لكل من يريد تحويل القبيلة إلى خندق للفوضى، وأن القبائل التي تعرف السلف والعرف لا تقبل أن تُستخدم كرافعة لمشروع تمزيق داخلي يخدم الخارج.
في هذا السياق جاء الرد القبلي من أرحب حاسماً، حيث أعلنت القبيلة في وقفة مسلحة حاشدة النكف القبلي ضد محاولات المدعو حمد فدغم إثارة الفتنة والمتاجرة باسم سمية الزبيري. وأكد مشايخ ووجهاء أرحب، بحضور أسرة الفتاة ووالدها أحمد الزبيري، أن سمية ابنة القبيلة وأهلها، وأن ما يجري ليس بحثاً عن حقيقة بل تحرك مشبوه يستهدف شق الصف القبلي وخدمة أبواق العدوان، معلنين طلب “الصايب” من فدغم ومن يقف خلفه لرد الوجه ومحاسبة مثيري الفتن.
وبذلك، تتضح معالم المشهد كاملاً: وزارة الداخلية حسمت هوية المرأة وأسقطت رواية “ميرا صدام”، وفارس مناع قدّم تفسيراً قانونياً لوضع المنزل، والقبائل بدأت تميّز بين المطالبة المنضبطة والتحريض المدفوع. أما حمد فدغم، فقد انتقل في هذه الرواية من موقع مدّعي النصرة إلى موقع أداة التصعيد المدفوعة من الخارج، بعدما جعل من قضية فاقدة لسندها الأول منصة لاستهداف السلم الأهلي وخلخلة الاصطفاف الداخلي.
وبقدر ما كان جزء من خطورة القضية الاسم المنتحل والمنزل المؤجر، والأخطر محاولة تحويل الكذب إلى عصبية، والعصبية إلى مطرح، والمطرح إلى شرخ داخل المجتمع اليمني. جاءت رسالة حكومة صنعاء والقبائل واليمنية واضحة فالحقوق تُطلب بالوثائق، والبيوت لا تُقتحم بالضجيج، والقبيلة ليست بندقية للإيجار، ومن يفتح نافذة الفتنة من الريان أو غيرها لن يستطيع تغطيتها باسم السلف والعرف”. وما بين سقوط رواية “ميرا صدام” وانكشاف مسار فدغم، تبدو صنعاء أمام محاولة جديدة لاستهداف جبهتها الداخلية، لكنها هذه المرة واجهتها بالوثيقة، وبالقانون، وبصوت القبيلة التي ترفض أن تكون جسراً لمشاريع الخارج.
