رفعت إيران، اليوم الخميس، سقف خطابها السياسي والعسكري في مواجهة الولايات المتحدة والكيان الصهيوني، عبر سلسلة مواقف متزامنة صدرت عن البرلمان والخارجية ومقر خاتم الأنبياء، أكدت مجتمعة أن طهران دخلت مرحلة تثبيت قواعد الردع والسيادة، سواء في الملف النووي أو في مضيق هرمز أو في معادلة الأمن الإقليمي بعد استشهاد قائد الثورة السيد علي الخامنئي.
وفي الملف النووي، نفى رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد قاليباف ما تردد بشأن منح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إمكانية الوصول إلى المواقع التي تعرضت للقصف، مؤكداً أن الحديث عن ذلك “كاذب”، وأن إيران لا تمنح أي امتياز يتجاوز مستوى الوصول الذي حدده المجلس الأعلى للأمن القومي ووفقاً للقانون الذي أقره البرلمان.
ويعكس موقف قاليباف محاولة إيرانية واضحة لإغلاق باب التأويلات الغربية بشأن التفتيش النووي، وإرسال رسالة مفادها أن المواقع التي تعرضت للاعتداء لن تتحول إلى ساحة مفتوحة أمام مفتشي الوكالة تحت ضغط الحرب أو التفاوض، وأن أي وصول دولي سيبقى محكوماً بالسقف السيادي والقانوني الذي تحدده طهران لا واشنطن.
وفي السياق ذاته، جاء موقف نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي ليعيد تثبيت معادلة الخليج من زاوية السيادة والأمن الإقليمي، إذ أكد أن “مضيق هرمز يخضع لسيطرة إيران لا للقيادة المركزية الأمريكية”، مشدداً على أن اجتماعاً عسكرياً في البحرين لا يمكنه أن يرسي نظاماً قانونياً أو أمنياً للخليج تحت المظلة العسكرية الأمريكية.
وقال غريب آبادي إن الأمن الإقليمي لا يتحقق عبر القواعد الأجنبية ولا عبر إدارة أمريكية للممرات البحرية، بل عبر “إنهاء التدخل وخروج أمريكا من المنطقة، واحترام سيادة الدول، والاعتراف بالحقائق الجيوسياسية الجديدة”. وهذا التصريح يضع هرمز في قلب الصراع على مستقبل النظام الأمني في الخليج، بين رؤية أمريكية تقوم على الهيمنة العسكرية، ورؤية إيرانية تؤكد أن أمن المنطقة يجب أن يصنعه أبناؤها.
عسكرياً، حذر قائد مقر خاتم الأنبياء اللواء علي عبد اللهي أعداء إيران، وفي مقدمتهم أمريكا والكيان الصهيوني، من “ارتكاب أي خطأ في الحسابات”، مؤكداً أن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة لصون استقلال البلاد وسلامتها، وحراسة إنجازات الثورة، وتعزيز الاقتدار الدفاعي، والحفاظ على الوحدة الداخلية.
وأشار عبد اللهي إلى أن قائد الثورة الشهيد علي الخامنئي أوصل قدرة الردع للجمهورية الإسلامية إلى ذروتها، مؤكداً أن الوفاء الأكبر لعهده يكون عبر “استمرار طريقه، وحراسة إنجازات الثورة، وتعزيز الاقتدار الدفاعي”، مع إعلان التبعية الكاملة لتوجيهات القائد العام للقوات المسلحة السيد مجتبى خامنئي.
وفي بيان أكثر حدة، شدد مقر خاتم الأنبياء على أن “مضيق هرمز ليس ساحة للعب من قبل أمريكا”، بل هو جزء من نطاق السيادة الثابتة لإيران، مؤكداً أن أمن هذا الممر المائي الحيوي واستقراره يمثلان “خطاً أحمر للقوات المسلحة الإيرانية”.
وأوضح البيان أن جميع ناقلات النفط والسفن التجارية ملزمة بالمرور عبر المسار الذي حددته إيران من أجل أي عبور آمن في المضيق، محذراً من أن أي عدم امتثال أو تجاهل للمسار المحدد سيواجه بـ“رد فوري ومقتدر” من القوات المسلحة، وسيعرض أمن السفن المخالفة للخطر.
كما حذر مقر خاتم الأنبياء من أن أي محاولة أمريكية للتدخل في الشؤون الأمنية لمضيق هرمز ستواجه بـ”رد سريع وحاسم”، معتبراً أن استمرار تحليق المقاتلات الأمريكية فوق المضيق يؤدي إلى زعزعة أمن هذا الممر الحيوي ويعرض أمن المنطقة برمتها للخطر.
وتؤكد هذه المواقف أن طهران لم تعد تتعامل مع مضيق هرمز كملف ملاحي فحسب، بل كساحة سيادية واستراتيجية ترتبط مباشرة بمعادلة الردع مع واشنطن، وبقدرة إيران على فرض قواعد عبور جديدة في واحد من أهم الممرات النفطية في العالم.
وفي البعد السياسي والرمزي، أعلن المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي تفاصيل مراسم وداع وتشييع جثمان القائد الشهيد السيد علي الخامنئي، واصفاً الحدث بأنه “تاريخي للشعب الإيراني وللمسلمين ولكل أحرار العالم”.
وأوضح بقائي أن مراسم تقديم التعازي تبدأ يوم الجمعة عند الساعة الثامنة صباحاً، بحضور حشود شعبية كبيرة، وتستمر حتى الظهر تقريباً، على أن يشارك كبار المسؤولين من مختلف الدول والشخصيات السياسية في حدود الساعة الثانية بعد الظهر.
وكشف بقائي أن إيران ستستقبل ضيوفاً من نحو 100 دولة، بينهم شخصيات سياسية، ورؤساء حكومات، ورؤساء برلمانات، ووزراء خارجية، ومبعوثون خاصون، ما يحول مراسم التشييع إلى منصة سياسية دولية تعكس حجم الحضور الإيراني في معادلات الإقليم والعالم، رغم الحرب والضغوط والعقوبات.
وتحمل هذه التطورات المتزامنة دلالة واضحة: إيران تريد أن تقدم نفسها، بعد استشهاد قائدها، كدولة لم تدخل مرحلة ارتباك أو فراغ، بل مرحلة استمرارية قيادية وردع عسكري وتماسك مؤسسي. فالبرلمان يغلق باب الامتيازات النووية، والخارجية تعيد تعريف أمن الخليج، ومقر خاتم الأنبياء يرسم قواعد هرمز، والدولة تستعد لتشييع قائدها بحضور دولي واسع.
واستراتيجياً، تبدو طهران كأنها تقول لواشنطن إن زمن إدارة الخليج من القواعد العسكرية والاجتماعات الأمنية الخارجية لم يعد مقبولاً، وإن مضيق هرمز سيبقى خاضعاً لقواعد السيادة الإيرانية لا لإملاءات القيادة المركزية الأمريكية.
أما في مواجهة الكيان الصهيوني، فإن التحذيرات الإيرانية تحمل رسالة مضاعفة: أي محاولة لاستغلال مراسم التشييع أو مرحلة الانتقال القيادي ستُقرأ في طهران كخطأ حسابي كبير، وستقابل برد عسكري وسياسي ينسجم مع مستوى التهديد.
في الخلاصة، فإن المواقف الإيرانية الصادرة اليوم ترسم معادلة جديدة عنوانها: لا تفتيش خارج القرار السيادي، لا أمن خليجي تحت المظلة الأمريكية، ولا عبور في هرمز خارج القواعد الإيرانية. وبين التشييع المرتقب والتحذيرات العسكرية والتشدد النووي، تؤكد طهران أنها لا تدير مرحلة ما بعد استشهاد الخامنئي بمنطق الانكفاء، بل بمنطق تثبيت الردع، وفرض قواعد الاشتباك، ومنع واشنطن وتل أبيب من تحويل لحظة الحزن الوطني إلى فرصة للضغط أو الابتزاز.
