ذات صلة

الأكثر مشاهدة

“رجوم” المفترس الذي بدّد أوهام الحسم بالكمائن الجوية

في رحى الحروب... لا يكمن جوهر التفوق في مجرد...

من يقاتل ضد أنصار الله براً في اليمن؟

تزدحم الطاولة الإقليمية بخرائط للردّ على تقدّم قوات صنعاء...

مشاهد التأييد.. حين ينطق الميدان بصدق التوكل والأخلاق

​إن ما تنقله المشاهد الميدانية وتوثقه عدسات الإعلام الحربي...

ثورة 21 سبتمبر.. معادلة الأمن والسيادة التي كسرت المؤامرات

لم تكن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر مجرد محطة...

إيران توسّع الرد وتشييع مشهد يتحول إلى منصة تحدٍ.. واشنطن تستهدف البنى المدنية والعسكرية وطهران تفتح النار على القواعد والممرات

دخلت المواجهة بين إيران والولايات المتحدة، اليوم، مرحلة أكثر اتساعاً وخطورة، بعدما واصلت واشنطن عدوانها المباشر على الأراضي الإيرانية مستهدفة جسوراً ومنشآت وبنى مرتبطة بخطوط النقل والتجارة والبنية الساحلية، في وقت كانت فيه الجماهير الإيرانية تحتشد بالملايين في مشهد لتشييع القائد الشهيد السيد علي خامنئي، في مشهدٍ أرادت منه طهران تأكيد أن العدوان لم يكسر إرادة الدولة ولا زخمها الشعبي، بل دفعها إلى توسيع معادلة الرد من الداخل الإيراني إلى القواعد الأمريكية والممرات البحرية في الإقليم.

فمنذ ساعات الفجر، أعلنت طهران أن العدو الأمريكي استهدف بصواريخ كروز مواقع وجسوراً في محافظات غلستان وبوشهر والأحواز ومحيط مشهد، بينما أكدت مصادر إيرانية سقوط شهداء وجرحى جراء هذه الاعتداءات، ووصفتها بأنها انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة ولمذكرة تفاهم إسلام آباد. وفي هذا السياق، وجّه مندوب إيران لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني رسالة رسمية إلى الأمين العام ورئيس مجلس الأمن، شدد فيها على أن الولايات المتحدة “بدأت مرة أخرى، في انتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة والتزاماتها الدولية”، وأن هجماتها الواسعة ضد سيادة الجمهورية الإسلامية وسلامة أراضيها تمثل “انتهاكاً جوهرياً للبند الأول من مذكرة تفاهم إسلام آباد”.

وجاء الموقف الإيراني الرسمي مشفوعاً بتصعيد سياسي وعسكري واضح. فقد أكد مستشار قائد الثورة الإسلامية اللواء محسن رضائي أن “العدو المعتدي وشركاءه سيعاقبون عقاباً شديداً”، فيما شدد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإيراني على أن طهران ستوجه “رداً ساحقاً” للأمريكيين، وأنها ستسلبهم الأمن أينما كانوا. كما أعلن رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف أن الولايات المتحدة لم تتعلم بعد أن “التغطرس والتخلف عن الوعود لم يعد بلا تكلفة”، مؤكداً أن مضيق هرمز لن يُفتح إلا وفق الترتيبات الإيرانية.

وفي أكثر الرسائل وضوحاً، أعلن حرس الثورة الإسلامية أن العدوان الأمريكي استهدف مناطق في المحافظات الساحلية الجنوبية، معتبراً أن توقيت الضربات جاء في محاولة للتغطية على ملحمة التشييع المهيبة في العراق وإيران، ولحجب هذا المشهد الملهم عن شعوب العالم. غير أن الحرس أكد أن الرد بدأ فعلاً، معلناً في مرحلته الأولى تدمير أربع قواعد أمريكية في عريفجان وعلي السالم بالكويت والجفير والشيخ عيسى في البحرين، ومحذراً من أن أي تكرار للاعتداءات سيقابل بردود ساحقة تتوسع لتشمل قواعد أمريكية أخرى في المنطقة.

كما أعلن الجيش الإيراني أن رده على العدوان الأمريكي شمل استهداف أنظمة باتريوت في الكويت، ومواقع الإنذار المبكر وأجهزة استقبال الأقمار الصناعية في قطر، ومخازن الوقود التابعة للجيش الأمريكي في البحرين، مؤكداً أن هذه الضربات نُفذت بكم هائل من الطائرات المسيّرة، وأن إيران ستواصل “بكل قوة ومن دون أي شروط” منع واشنطن من تحقيق أهدافها وأطماعها. وفي السياق نفسه، تحدثت وسائل إعلام إيرانية عن استهداف سفن أمريكية متمركزة قبالة سواحل البحرين بصواريخ كروز، إلى جانب استهداف مدمرة وعدة سفن أمريكية في الخليج، مع استخدام صواريخ “خيبر شكن” في الهجمات الجارية على القواعد الأميركية في غرب آسيا.

وترافقت هذه الضربات مع رسائل بحرية شديدة الحدة من بحرية الحرس الثوري الإيراني، التي أكدت أن أي مغامرة أمريكية أو تدخل في تحديد مسارات الملاحة في مضيق هرمز سيواجه “برد حاسم”، مضيفة أن الأجانب “ليس لهم أي حصة في هذه الأرض وفي مضيق هرمز”. كما حذرت من أن مغامرات الجيش الأمريكي ستعرقل بشكل خطير عملية إعادة الفتح التدريجي للمضيق، وستعرض مصالح الدول المستفيدة من هرمز لخطر جسيم، في تأكيد جديد على أن طهران تعتبر المضيق ملفاً سيادياً خالصاً لا يقبل الشراكة ولا الإملاء.

وفي الخلفية، بدا واضحاً أن أحد أهداف الضربات الأمريكية تمثل في استهداف البنية اللوجستية والتجارية وخطوط الربط الاستراتيجي الإيرانية، إذ أفادت وكالة فارس بأن هجوماً أمريكياً استهدف جسراً للسكك الحديدية يستخدم في المسارات التجارية مع الصين وروسيا، كما أعلنت السكك الحديدية الإيرانية بدء عمليات الإصلاح على خط طهران – مشهد بعد تضرره جراء العدوان. ويعني ذلك أن واشنطن لم تعد تضرب مواقع عسكرية فقط، بل تتجه إلى استهداف شرايين النقل والربط الإقليمي في محاولة لإرباك الداخل الإيراني وتعطيل امتداداته الاقتصادية والجيوسياسية.

لكن في مقابل هذا المسار الأمريكي، كانت مشهد ترسم مشهداً معاكساً تماماً. فقد احتشدت الملايين في العتبة الرضوية للمشاركة في تشييع جثمان القائد الشهيد السيد علي خامنئي، فيما جُهزت أربعة آلاف حافلة لنقل الزوار، ووصل 4700 ضيف أجنبي من مسؤولين سياسيين ودبلوماسيين إلى المدينة للمشاركة في مراسم التشييع. وأكدت المصادر الإيرانية أن الجماهير توافدت من خارج مشهد رغم العدوان الأمريكي الذي استهدف محطات المترو والبنى المرتبطة بخدمة المشيعين، في صورة أرادت طهران من خلالها القول إن القصف لم ينجح في كسر الحشد، ولا في تعطيل لحظة البيعة الشعبية والسياسية.

وفي قراءة أوسع، تكشف تطورات اليوم أن الولايات المتحدة تحاول تعويض فشلها السياسي والعسكري عبر توسيع بنك أهدافها داخل إيران والضغط على المضيق والبنى التحتية وخطوط التجارة، بينما ترد طهران بتثبيت سيادتها على هرمز، وتوسيع بنك أهدافها في القواعد الأمريكية، وربط أي تصعيد ميداني بتكلفة مباشرة على الوجود الأمريكي في الخليج وغرب آسيا. ومع مغادرة السفينتين الحربيتين الأمريكيتين “يو إس إس تريبولي” و“يو إس إس رشمور” من الشرق الأوسط باتجاه المحيط الهندي، وفق ما نقلته نيوزماكس عن مسؤولين أمريكيين، يبدو أن واشنطن نفسها تعيد حساباتها الميدانية تحت وطأة الرد الإيراني واتساع التهديدات على أصولها العسكرية والبحرية في المنطقة.

spot_imgspot_img