تتسع تداعيات التصعيد البحري في المنطقة مع انتقال الضغوط إلى مضيق باب المندب، عقب إعلان القوات المسلحة اليمنية استهداف ناقلتين تحملان النفط السعودي، في تطور وضع واحداً من أهم الممرات البحرية العالمية أمام احتمال التحول إلى نقطة اختناق جديدة لصادرات الطاقة والتجارة الدولية.
ووفق المعطيات المتداولة، وقع استهداف الناقلتين غرب ميناء الشقيق السعودي، في منطقة ترتبط بمسارات تصدير النفط نحو الأسواق الآسيوية عبر باب المندب وبحر العرب. ويمنح هذا الموقع للعملية دلالة استراتيجية، إذ يهدد المسار البحري الذي تعتمد عليه السعودية لتصدير جزء كبير من نفطها بعيداً عن مضيق هرمز.
وأعلنت القوات المسلحة اليمنية فرض حصار بحري على الملاحة السعودية وذلك مقابل الحصار القائم عليها من السعودية منذ 2015م في عملية وصفت الحصار بالحصار.
ويمثل باب المندب البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، ويعبره نحو 12% من التجارة العالمية ونحو ربع حركة الحاويات المتجهة من قناة السويس وإليها، ما يجعل أي اضطراب في الملاحة داخله ذا تأثير مباشر على تكاليف النقل والتأمين وأسعار الطاقة وسلاسل الإمداد الدولية.
وتزداد حساسية المشهد مع اعتماد الرياض بصورة متزايدة على خط أنابيب النفط الممتد من شرق المملكة إلى موانئ البحر الأحمر، في محاولة لتقليل الاعتماد على مضيق هرمز. غير أن انتقال العمليات إلى محيط موانئ الشقيق وينبع يعيد الضغط على البديل السعودي نفسه، ويضع صادرات النفط أمام معضلة مزدوجة في الشرق والغرب.
وأظهرت بيانات تتبع السفن أن التهديدات بدأت تتحول إلى تأثير تشغيلي فعلي، بعدما غيرت ثماني ناقلات مسارها خلال يومين، فيما تراجعت سفينة مخصصة لنقل السيارات عن التوجه إلى ميناء جدة. وبلغت الحمولة المعلنة للسفن التي عدّلت مساراتها ما لا يقل عن 2.5 مليون برميل من النفط كانت متجهة إلى الأسواق الآسيوية.
كما أشارت البيانات إلى أن الناقلتين المستهدفتين تبلغ سعتهما التخزينية الإجمالية نحو 1.8 مليون برميل، وهو ما دفع أسواق الطاقة وشركات الشحن إلى التعامل مع باب المندب بوصفه ساحة اضطراب قائمة، وليس مجرد منطقة معرضة لتهديدات مستقبلية.
وتفرض إعادة توجيه الناقلات من ميناء ينبع عبر رأس الرجاء الصالح كلفة تشغيلية مرتفعة، إذ تضيف قرابة 10 آلاف ميل بحري إلى الرحلة، بما يعادل نحو 34 يوماً إضافياً من الإبحار، وترفع كلفة الشحن بأكثر من خمسة ملايين دولار، فضلاً عن رسوم العبور والتأمين والوقود وعلاوات مخاطر الحرب.
ورغم استمرار بعض السفن في عبور المضيق، فإن الحركة البحرية باتت محكومة بحسابات أكثر تعقيداً. وتواصل ناقلتان صينيتان تحمل كل منهما نحو مليوني برميل من الخام السعودي الإبحار من ينبع نحو الصين، في مؤشر على أن بعض المشترين لا يزالون مستعدين لتحمل المخاطر، مقابل اتجاه سفن أخرى إلى تغيير مساراتها أو تجميد رحلاتها.
وتكمن خطورة السيناريو المقبل في احتمال تحول التهديد العسكري إلى إغلاق تجاري غير معلن، إذا قررت شركات الشحن تجنب المنطقة وامتنعت شركات التأمين عن تغطية السفن العابرة. وعندها لن تكون هناك حاجة إلى إغلاق مادي كامل للمضيق، إذ يكفي ارتفاع المخاطر والتكاليف لشل جانب واسع من حركة التجارة.
وقد انعكست التطورات سريعاً على أسواق النفط، التي سجلت ارتفاعاً بنحو 4% ليقترب سعر البرميل من 98 دولاراً، وسط تقديرات بإمكانية تجاوزه 110 دولارات، وربما بلوغه 120 دولاراً إذا اتسع التصعيد ووصل إلى منشآت تحميل النفط ومرافق التصدير في ميناء ينبع.
ولا تقتصر التداعيات المحتملة على الأسواق الآسيوية، إذ تتجه قرابة 1.5 مليون برميل يومياً من النفط السعودي إلى أوروبا، مقابل نحو ثلاثة ملايين برميل إلى آسيا. وأي تراجع في الإمدادات عبر البحر الأحمر سيؤدي إلى تصاعد المنافسة بين الأسواق الأوروبية والآسيوية على الشحنات المتاحة، ورفع الأسعار بصورة أوسع.
وفي المحصلة، فإن باب المندب لم يعد مجرد ممر ملاحي مهدد، بل أصبح ورقة ضغط استراتيجية قادرة على إعادة رسم طرق الطاقة والتجارة العالمية. وإذا استمرت العمليات واتسعت دائرة الاستهداف، فقد يجد العالم نفسه أمام نسخة جديدة من أزمة هرمز، لكن هذه المرة عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، حيث تصبح صادرات النفط السعودية وكلفة الشحن الدولي في قلب المواجهة.
