أقر موقع «ذا سايفر بريف» الأمريكي بأن صنعاء حققت خلال عملياتها العسكرية الأخيرة ضد السعودية والقوات التابعة لها مكاسب تجاوزت توقعات خصومها، مستفيدة من مهارة استثنائية في اختيار الأهداف وتوزيع الضغط بين الجبهات العسكرية والاقتصادية والبحرية.
وجاء التقرير بقلم الباحث آري هايستاين، المرتبط بمعهد القدس للاستراتيجية والأمن ويعمل مستشاراً لشركات صهيونية، ورغم نبرته العدائية تجاه صنعاء، فإنه قدّم اعترافات لافتة بحجم التحول في قدرات القوات المسلحة اليمنية وطريقة إدارتها للمواجهة.
وأكد التقرير أن صنعاء فتحت جبهتي ضغط متزامنتين؛ الأولى ضد السعودية ومنشآتها ومصالحها الاقتصادية، والثانية ضد القوات التابعة للرياض داخل اليمن، مستخدمة الصواريخ الباليستية والمجنحة والطائرات المسيّرة ضمن عمليات متتابعة ومتغيرة الأهداف.
ورأى الكاتب أن تفسير هذا التصعيد باعتباره مرتبطاً بعوامل داخلية فقط غير كافٍ، محدداً ثلاثة حسابات عملياتية رئيسية تحكم تحركات صنعاء: تثبيت الردع، الضغط الاقتصادي على الرياض، واستغلال التحولات الإقليمية التي منحت اليمن نفوذاً إضافياً في باب المندب والبحر الأحمر.
وفي جانب الردع، أشار التقرير إلى أن صنعاء تريد منع خصومها من الاعتقاد بأن الضغوط الاقتصادية أو القبلية الداخلية يمكن أن تقلل من استعدادها العسكري، مؤكداً أن العمليات الأخيرة أوصلت رسالة بأن أي تحريك للقوات التابعة للسعودية أو محاولة لاستغلال الظروف الداخلية سيقابل برد مباشر.
وأضاف أن صنعاء كانت قد مارست قدراً من ضبط النفس خلال أشد مراحل المواجهة الأمريكية والإسرائيلية مع إيران، وهو ما دفع بعض خصومها إلى الاعتقاد بأنها تتجنب التصعيد، قبل أن تأتي العمليات الأخيرة لتبدد هذه التقديرات وتؤكد استمرار قدرتها على فتح أكثر من جبهة في وقت واحد.
أما الدافع الثاني، وفق الموقع، فيتعلق باستخدام القوة العسكرية للضغط على السعودية اقتصادياً، بما يمكن أن يدفع الرياض إلى تسوية تعالج الملفات الإنسانية والاقتصادية العالقة، وفي مقدمتها الرواتب وإعادة الإعمار ورفع القيود المفروضة على اليمن.
ويرى التقرير أنه في حال رفض السعودية الذهاب إلى تسوية، فإن مواصلة الضغط على صادرات النفط وطرق الملاحة سترفع كلفة تمويل الرياض للتشكيلات التابعة لها داخل اليمن، بما فيها حكومة المرتزقة وفصائل الساحل الغربي.
وأشار إلى أن تراجع التمويل السعودي لتلك القوات سيمنح صنعاء أفضلية إضافية، نظراً إلى امتلاكها قاعدة سكانية أوسع وقدرات عسكرية وموارد أكبر مقارنة بفصائل المرتزقة التابعة للرياض وأبوظبي.
ويتمثل الحساب الثالث في استثمار المتغيرات الناتجة عن إغلاق مضيق هرمز، الذي دفع السعودية إلى الاعتماد بصورة أكبر على البحر الأحمر وباب المندب كمسار بديل للصادرات والطاقة.
وأكد “ذا سايفر بريف” أن هذا التحول منح اليمنيين نفوذاً إضافياً على طرق الشحن البديلة للمملكة، ووضع جزءاً مهماً من خطوط صادراتها ومصالحها البحرية ضمن نطاق القدرة العملياتية اليمنية.
ولفت الموقع إلى أن صنعاء تدير هذه الورقة بحسابات دقيقة، وتسعى إلى استهداف المصالح والصادرات السعودية من دون توسيع المواجهة نحو أطراف غير مشمولة بالحظر، وبما يمنع تشكيل تحالف دولي واسع ضد اليمن.
وأوضح أن صنعاء تحاول كذلك تجنب استعداء دول لا علاقة لها بالمواجهة، مثل الصين، عبر التركيز على السفن والمنشآت المرتبطة مباشرة بالسعودية، وهو ما يعكس مستوى متقدماً من الانتقائية في إدارة بنك الأهداف.
ويقر التقرير بأن هذه المقاربة حققت نتائج تجاوزت توقعات الخصوم، مؤكداً أن اليمنيين يتمتعون بـ “مهارة استثنائية في اختيار الأهداف التي تعظّم قدرتهم العسكرية”.
كما أشار إلى أن انتقال القوات اليمنية من هدف إلى آخر، ومن جبهة إلى أخرى، يبقي السعودية والقوات التابعة لها في حالة دائمة من عدم اليقين، ويصعب عليها توقع مكان الضربة التالية أو طبيعة الهدف المقبل.
وتكشف هذه القراءة أن القوة اليمنية لا تعتمد فقط على عدد الصواريخ أو مدى الطائرات المسيّرة، بل على اختيار الهدف والتوقيت والمسرح بما يحقق أكبر ضغط عسكري واقتصادي وسياسي بأقل كلفة ممكنة.
ويظهر من التقرير أن صنعاء تعمل على معادلة مترابطة: تضرب التحشيدات والمعسكرات داخل اليمن، وتضغط على الملاحة المرتبطة بالسعودية في البحر، وتبقي المنشآت الاقتصادية في العمق السعودي ضمن دائرة التهديد.
ويمنح هذا النمط من العمليات صنعاء قدرة متزايدة على فرض إيقاع المواجهة على خصومها بدلاً من الاكتفاء بالرد على تحركاتهم، وهو ما يفسر حالة الترقب التي أشار إليها الموقع الأمريكي.
وفي المحصلة، يقدم “ذا سايفر بريف” اعترافاً لافتاً، رغم خلفية كاتبه الإسرائيلية، بأن صنعاء لم تعد طرفاً يتحرك بردود أفعال محدودة، بل قوة توظف الجغرافيا والصواريخ والمسيّرات والبحر والاقتصاد ضمن استراتيجية واحدة متماسكة.
وبذلك، يتحول باب المندب من مجرد ممر بحري إلى ورقة قوة استراتيجية في يد صنعاء، بينما تتحول المنشآت والتحشيدات وخطوط الإمداد السعودية إلى أهداف موزعة على أكثر من جبهة، في وقت يؤكد فيه التقرير أن اليمنيين يحققون مكاسب تتجاوز التوقعات بفضل مهارتهم في اختيار الهدف الذي يفرض أكبر كلفة على الخصم.
