كشفت تقارير أمريكية وبريطانية عن تطور ملحوظ في أساليب الهجوم التي تستخدمها قوات صنعاء ضد أهداف داخل السعودية، مشيرة إلى أن الجمع بين المسيّرات بعيدة المدى والصواريخ المجنحة والهجمات المتكررة على أهداف بعينها بات يفرض ضغوطاً متزايدة على شبكة الدفاع الجوي السعودية ويستنزف مخزون صواريخ الاعتراض.
ونقلت قناة الحرة عن أليسون ماينز، مديرة مشروع التكامل في الشرق الأوسط التابع للمجلس الأطلسي، أن أحد الأساليب التي تستخدمها قوات صنعاء يقوم على إطلاق موجات مكثفة من الطائرات المسيّرة قبل تنفيذ الضربات الصاروخية، بما يرهق منظومات الرصد والاعتراض ويجبرها على التعامل مع عدد كبير من الأهداف في وقت متقارب.
أما صحيفة فاينانشال تايمز، فنقلت عن مصدر مطلع على تفاصيل الهجمات أن قوات صنعاء استخدمت مسيّرات بعيدة المدى، يُعتقد أنها من طرازي صماد-2 وصماد-3، لاستكشاف نطاقات تغطية منظومات الدفاع السعودية، قبل الدفع بصواريخ كروز تحلق على ارتفاعات منخفضة وقادرة على تغيير مساراتها، ما يزيد صعوبة اكتشافها واعتراضها.
وبحسب الصحيفة، لا يعتمد التكتيك فقط على كثافة الهجوم، بل على إجبار الدفاعات السعودية على إعادة توزيع نفسها باستمرار. ونقلت عن الباحث في المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية ساشا بروخمان أن تكرار استهداف منشأة مهمة لعدة أيام يدفع الرياض إلى نقل بطاريات دفاع جوي لحمايتها، ثم تُستغل الثغرات التي تظهر في مواقع أخرى لتنفيذ هجمات جديدة.
وتعني هذه الاستراتيجية أن السعودية تواجه معضلة متزايدة في حماية المطارات والمنشآت النفطية والقواعد العسكرية والمدن الرئيسية في الوقت نفسه، خصوصاً مع المساحة الجغرافية الواسعة للمملكة وتباعد الأهداف المطلوب تأمينها.
وأشارت فاينانشال تايمز إلى أن منظومة الدفاع السعودية تضم باتريوت وثاد وصواريخ أرض-جو ومسيّرات اعتراضية ورادارات ومنظومات حرب إلكترونية، إلى جانب أنظمة لمكافحة الطائرات المسيّرة، إلا أن تعدد الهجمات وتنوع اتجاهاتها ووسائلها يفرض ضغطاً مستمراً على هذه الطبقات الدفاعية.
ويبرز مخزون الصواريخ الاعتراضية كإحدى نقاط الضغط الأساسية، إذ أشارت الصحيفة إلى استهلاك أعداد كبيرة من صواريخ باتريوت وثاد خلال المواجهات السابقة في المنطقة، وهو ما يزيد صعوبة المحافظة على كثافة اعتراض مرتفعة على عدة جبهات في آن واحد.
كما نقل التقرير عن بلال صعب أن بعض الإخفاقات ترتبط أيضاً بـالتنسيق بين منظومات الدفاع المختلفة، فيما رأى ديفيد دي روش أن المشكلة لا تعكس بالضرورة ضعف الخبرة السعودية بقدر ما تعكس تطور أساليب الهجوم ومحاولات اختراق الدفاعات واستنزافها.
وتزداد صعوبة المهمة مع اضطرار السعودية إلى الاستعداد لهجمات محتملة من اتجاه إيران شرقاً واليمن جنوباً، بما يفرض توزيع البطاريات والرادارات وصواريخ الاعتراض على رقعة جغرافية أكبر ويقلص حجم الحماية المتاحة لكل منشأة.
وفي موازاة ذلك، نقلت وول ستريت جورنال عن مصادر أن قوات صنعاء تعمل على تطوير صواريخ باليستية جديدة شبيهة بصاروخ “خيبر شكن” الإيراني العامل بالوقود الصلب، مشيرة إلى استخدام تقنيات صينية في عملية التطوير.
ووفق ما أوردته الصحيفة، تتميز هذه الفئة من الصواريخ بمدى يتجاوز 1400 كيلومتر، إلى جانب دقة أعلى وسهولة أكبر في النقل والإطلاق من منصات متحركة، وهي خصائص تجعل عملية اكتشاف مواقع الإطلاق واستهدافها مسبقاً أكثر تعقيداً.
وتشير التقارير الغربية مجتمعة إلى أن التحدي الذي تواجهه السعودية لم يعد مرتبطاً فقط بامتلاك منظومات دفاع متطورة، بل بـإدارة مخزون الاعتراض، وتوزيع البطاريات، وربط الرادارات، وحماية عدد كبير من المنشآت في وقت واحد، والتعامل مع هجمات مصممة أساساً لتشتيت الدفاعات وإجبارها على استهلاك صواريخها.
وتكشف هذه التقييمات أن المعركة الجوية دخلت مرحلة تعتمد بصورة متزايدة على الاستنزاف والتشتيت والخداع العملياتي، بحيث تصبح كثافة الدفاعات وحدها غير كافية، ما لم تستطع تغطية مساحات شاسعة والتعامل المتزامن مع المسيّرات والصواريخ المجنحة والباليستية القادمة من مسارات وارتفاعات مختلفة.
