ما سيُقرأ في السطور التالية ليس انتقاماً، ولا خطاباً مناطقياً، ولا تحريضاً ضد مدينة.
تعز أكبر من أن تُختزل في فصيل، وأبناؤها أرفع من أن يُحمَّلوا وزر عصابات اتخذت من المدينة ساحة لنهبها. لكن هناك حقيقة يجب أن تُقال، مهما كانت قاسية
:
حزب الإصلاح، منذ أن مدّ يده إلى تعز، حوّلها إلى ولاية للعصابات، تُدار بالرصاص والجبايات والسجون السرية.
ما سيُذكر هنا ليس اتهاماً مُفترى، ولا رواية من طرف واحد، بل نماذج صغيرة لوقائع وثّقتها تقارير إخبارية وحقوقية متعددة، وشهادات ضحايا، ووثائق رسمية، ومشاهد رآها الناس بأعينهم.
من عاش في تعز خلال السنوات الماضية يعرف أن ما سيُقال أقل من الحقيقة، وأن الحقيقة أكبر من أن يحتملها مقال واحد.
الفصل الأول: منظومة القتل.. من الاغتيال إلى الإبادة
1. الاغتيالات السياسية
لم يكن القتل في تعز عشوائياً في كل الحالات. كانت هناك قائمة، وكان هناك من ينفّذ، وكان هناك من يحمي المنفّذ.
في إحدى الوقفات، أطلق مسلحون يستقلون دراجة نارية النار على مالك ياسين، عاقل حارة الشماسي، قرب مستشفى الثورة وسط المدينة. فارق الحياة فور وصوله. كان يستعد لمناقشة رسالة الماجستير في الاقتصاد. لم يُعرف الدافع المعلن، لكن من يعرف تعز يعرف أن الرجل كان من الناشطين الذين يفضحون الفساد.
وفواز الوافي، المصور الصحفي، عُثر على جثته داخل سيارته قرب محطة الوادي، وعليها عدة طعنات في الصدر.
لم يُعرف الجناة، ولم تُكشف الدوافع، وأعلنت أسرته تخوفها من “تمييع القضية وتسجيلها ضد مجهول”. هذه الجملة وحدها تكشف كل شيء: عندما تكون الدولة هي المتهم، تصبح القضية بلا مجرم.
وفي وضح النهار، قُتل علاء القدسي، نجل ركن التوجيه المعنوي باللواء 145 مشاة، برصاص مسلح قرب مدرسة الوحدة.
لم يكن القتل سياسياً، لكنه كشف أن السلاح في تعز صار لغة الحوار اليومي.
2. القتل العشوائي: المواطن ضحية دائمة
في سوق القبة، وسط مدينة تعز، وفي ساعات الذروة، دارت اشتباكات بين قوات النجدة ومسلحين.
النتيجة: مقتل شوقي سعيد حسن عبده، سائق دراجة نارية من أبناء شرعب الرونة، وإصابة آخرين لم يكن طرفاً في الخلاف، ولم يعرف سبب الاشتباك، لكنه مات.
وفي منطقة العرضي، خلاف بين جنديين في إدارة الأمن انتهى باشتباكات وإطلاق نار عشوائي.
النتيجة: سائق دراجة نارية آخر قُتل. لم يعرف أحد اسمه في التقارير، لأنه لم يكن سوى “مواطن”.
هذه ليست حوادث فردية بل هذ نمط متكرر: خلاف بين اثنين من المسلحين، رصاص عشوائي، ومواطن يدفع الثمن.
3. الوحشية المفرطة
في حارة الجزارين بمديرية القاهرة، استدرجت عصابة من 8 أشخاص الشاب محمود أحمد علي سرحان، يتيم يعيل أخته اتهموه ظلماً بسرقة مسدس سحبوه من غرفة إلى حوش المنزل، وتناوبوا على ضربه وركله حاول الجيران إنقاذه بعد سماع صراخه، لكن العصابة هددت بقتل كل من يقترب لفظ أنفاسه الأخيرة وهو يتوسل شربة ماء.
همجية لا يمكن وصفها وهي تكشف أن من يحمل السلاح في تعز لم يعد يخاف لا من قانون ولا من ضمير ولا من الله.
4. الإبادة الجماعية: أسرة “الحرق” نموذجاً
في أغسطس، هاجمت عصابات مسلحة تابعة لمحور تعز العسكري، بقيادة “ماجد الأعرج” و”أكرم شعلان الشرعبي”، أسرة “الحرق” في منطقة بير باشا.
السبب: نزاع على أرضية.
النتيجة: 12 قتيلاً وجريحاً، بينهم امرأة حامل في شهرها الثامن، إضافة إلى إخفاء آخرين وتشريد وتهجير باقي الأسرة.
ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد بعد أشهر، اختطفت العصابة نفسها خولة الحرق، الطالبة الجامعية (20 عاماً)، وهي في طريقها إلى جامعة تعز خولة هي الابنة الوحيدة المتبقية من الأسرة، بعد أن قُتل والدها وشقيقها وعمّاها في المجزرة.
والأسوأ من ذلك: تم الإفراج عن متهمين في المجزرة أمن تعز أطلق سراح شقيق “أكرم شعلان” وابن شقيقة “ماجد الأعرج”. لماذا؟ لأن المنظومة لا تحمي الضحايا، بل تحمي الجناة.
الفصل الثاني: الاختطافات.. سجون بلا أبواب
1. اختطاف القضاء
القاضي أحمد اليوسفي، رئيس محكمة المرور، اختُطف من أمام منزله في منطقة بير باشا، على متن طقم عسكري، واقتيد إلى موقع الدفاع الجوي.
عصابة مسلحة يقودها “صابر غالب محمد الخليدي” كانت وراء العملية. مشايخ وعقال عزلة بني يوسف حمّلوا المحافظ المسؤولية الكاملة، ونددوا بـ”الأعمال الإجرامية التي ترتكبها العصابات المسلحة وسط غياب دور الأجهزة الأمنية”.
2. اختطاف المسؤولين
عارف عبدالله نعمان الخالدي، مدير مكتب النقل في تعز، اختُطف من أمام محطة وقود في جولة سنان.
الخاطفون: مسلحون يقودهم “أبو ذر عبدالله حسن الشرعبي”، وهو قيادي في اللواء 170 دفاع جوي.
السبب: رفض مكتب النقل لنقاط الجبايات التي تسيطر عليها قيادات عسكرية. الرجل الذي كان يحمي إيرادات الدولة من النهب، اختُطف لتصفية الحساب.
3. اختطاف الطالبات
خولة الحرق ليست الحالة الوحيدة. في تقارير أخرى، اختُطفت طالبات جامعيات، وفتيات في طريقهن إلى مدارس.
الهدف: الابتزاز الجنسي أو إجبار الأسر على التنازل عن قضايا.
4. الإخفاء القسري للصحفيين
نصر صالح، الصحفي، اتهم قيادياً أمنياً باختطاف ابنته ثم تراجع عن روايته بعد أيام تحت التهديد، وحذف منشوره، وطلب من وسائل الإعلام “تحري المصداقية” الصحفيون والناشطون قالوا إنه تعرض لتهديدات.
التراجع تحت الضغط ليس دليلاً على الكذب، بل دليل على أن الأجهزة الأمنية قادرة على إسكات صوت الضحايا فقط.
الفصل الثالث: الجبايات.. اقتصاد النهب المنظم
1. جبايات على التجار
في شارع 26 سبتمبر، أغلقت المحلات التجارية أبوابها بصورة جماعية، بعد أن فرض مسلحو محور تعز جبايات بالملايين على التجار بذريعة “دعم الجبهات وعلاج الجرحى” واعتقلوا أحد التجار بعد رفضه الدفع. التجار رفعوا الأسعار مقابل الجبايات التي دفعوها، والمواطن هو من يدفع الثمن في النهاية.
2. جبايات على سائقي الشاحنات
نقطة التحسين في مفرق بني غازي، التابعة لمسلحي الإصلاح، فرضت 25 ألف ريال على كل شاحنة محملة بالغاز، و70 ريالاً على كل كيس دقيق.
النتيجة: سعر الخمسين كيلو من الدقيق وصل إلى 50 ألف ريال وسائقي الشاحنات أعلنوا الإضراب، فاعتقلتهم قوات الإصلاح.
3. جبايات على المطاعم
مطعم “السعيد” في شارع جمال أُغلق ثلاث مرات في أسبوع واحد، بعد أن رفض مالكه دفع جبايات لمحور تعز.
مسلحون يقودهم “صهيب المخلافي”، شقيق “غزوان المخلافي” وقيادي في اللواء 22 ميكا، أطلقوا وابلاً من الرصاص على محيط المطعم، وأجبروه على الإغلاق ثم تدخلت قيادات أمنية لإعادة فتحه، لكن الرسالة وصلت.. من يرفض الدفع، يُغلق بالقوة.
4. فضيحة الغاز
وثيقة رسمية كشفت أن قائد محور طور الباحة “أبو بكر الجبولي”، المقرب من نائب الرئيس السابق، طالب الشركة اليمنية للغاز بتخصيص 5 ريالات لصالح قواته عن كل لتر غاز.
العائدات المتوقعة: مليارا ريال شهرياً.
وارتفع سعر أسطوانة الغاز بنسبة 105%. وصورة لطفل نام في طابور الغاز بعد أن أنهكه التعب، أشعلت غضباً شعبياً واسعاً.
الفصل الرابع: الجرائم الجنسية.. حين يصمت العالم
في مناطق سيطرة التحالف، وعلى رأسها تعز والخوخة، انتشرت جرائم الاغتصاب بشكل غير مسبوق.
تقارير أمنية وطبية وثّقت:
12 شخصاً تناوبوا على اغتصاب طفل (11 عاماً) في مسجد وسط تعز ثلاثة من المعتدين هم أولاد مالك القاعة، قاموا بتصويره وتهديده.
طفلان (13 و14 عاماً) اغتُصبا في مستشفيات تعز.
طفلة من فئة المهمشين اغتُصبت من 5 أشخاص، ثم أُفرج عنهم بضغوطات، وحُبس ابن عمها الذي رفض التنازل عن القضية.
طفلة (13 عاماً) في الشمايتين اختُطفت من عصابة من 4 أشخاص، واقتُيدت إلى مسجد، واغتُصبت، ووُثّقت الجريمة بالصوت والصورة لابتزازها.
7 مغتصبين من تعز، وهم مجندون بقوات الشرعية في جيزان، ارتكبوا جرائم اغتصاب بحق أطفال أثناء عودتهم من جيزان.
طفل (11 عاماً) ، تورط في اغتصابه نحو 20 شخصاً استمر لنحو عام كامل.
طفل (12 عاماً) في الخوخة، اغتُصب من شخصين أحدهما مجند في اللواء الأول مقاومة تهامية، تحت التهديد بالسلاح.
طفلة (7 سنوات) في حيس، اغتُصبت من مقاتل سلفي تابع لقوات العمالقة وفرضت القوات المشتركة الإقامة الجبرية على أسرتها حتى التنازل عن القضية.
في كل هذه الجرائم، هناك تواطؤ أمني وقضائي المتهمون النافذون يُهرَّبون، والأسر تُضغط للتنازل، ومن يرفض يُعتقل.
الفصل الخامس: انهيار الحياة.. من الصحة إلى التعليم
1. مستشفى الثورة يُغلق أبوابه
مستشفى الثورة العام في تعز، أكبر مستشفى في المدينة، أغلق أبوابه أمام المرضى عدة مرات.
السبب المعلن: انعدام المحروقات.
السبب الحقيقي: إهمال متعمد وفساد أقسام الغسيل الكلوي والعناية المركزة ومحطة الأكسجين توقفت المرضى يموتون والمحللون يحمّلون التحالف وحكومة المناصفة المسؤولية.
2. نهب المرافق الصحية
مركز الأشروح الطبي في مديرية جبل حبشي، المركز الوحيد في المديرية، اقتحمه مسلحون من اللواء 17 مشاة بقيادة “رامي الخليدي”، ونهبوا أثاثه وأجهزته ومعداته الطبية المعدات كانت مقدمة من منظمات دولية.
النتيجة: آلاف المواطنين حُرموا من الرعاية الصحية.
3. انقطاع الرواتب
موظفو مكتب الصحة في تعز نظموا وقفة احتجاجية ورددوا شعارات تطالب برحيل الحكومة التي وصفوها بـ”الفاشلة والفاسدة” بينما المسؤولون يعيشون في فنادق الرياض وأبوظبي، الموظفون ينتظرون راتباً لا يأتي.
الفصل السادس: الاقتتال الداخلي.. حين تأكل الميليشيا نفسها
1. الصراع على الأراضي
في جولة سنان، اندلعت مواجهات بين جنود بقيادة “معاذ مارش المخلافي” ومسلحين آخرين، على خلفية نزاع على أرضية منهوبة في مربع مستشفى الثورة.
النتيجة: مقتل مرافق “معاذ مارش” وجرح آخرين. وفي منطقة بير باشا، الصراع على أرضية انتهى بمجزرة أسرة “الحرق”.
2. الاقتتال على الجبايات
في منطقة باب موسى، تبادلت فصائل الإصلاح إطلاق الرصاص، بعد خلاف على تحصيل جبايات القات سقط جرحى من المدنيين.
وفي منطقة طور الباحة، دارت اشتباكات بين اللواء الرابع مشاة جبلي ومسلحين قبليين، على خلفية الجبايات، وأدت إلى سقوط ضحايا وإيقاف حركة السير.
3. الصراع على الكهرباء
في حي النسيرية، اندلعت اشتباكات بين عناصر مسلحة يقودها نجل قائد المحور شكيب فاضل، ومسلحين يتبعون ملاك مولدات الكهرباء. حتى الكهرباء أصبحت ساحة صراع.
الفصل السابع: التواطؤ الخارجي.. من يحمي كل هذا؟
السؤال الذي يفرض نفسه: من يحمي هذه المنظومة؟
الجواب: التحالف السعودي. فكل هذه الجرائم تحدث في مناطق سيطرته، وتحت أنظاره، وبغطاء من قواته والمحللون يتهمون الرياض بتحويل هذه المناطق إلى “ساحات للاقتتال ومسرحاً لانتشار العصابات المسلحة” بل إن بعض التقارير تذهب إلى أن هذه الاختلالات مخطط لها مسبقاً من الرياض.
والأخطر من ذلك: هذه المنظومة تقبل كل خارجي. تقبل السعودي، والإماراتي، والقطري، والتركي، والأمريكي، والبريطاني وتصل إلى حد تبرير جرائم الإسرائيلي وهو يقصف اليمن. ثم ترفض ابن البلد وتقول عنه: “مو نزل عاره تعز؟”
ختاماً تعز ليست الإصلاح
ما جرى في تعز ليس فوضى عابرة، ولا فساداً فردياً، ولا انفلاتاً أمنياً طارئاً ما جرى هو منظومة متكاملة من القتل والاختطاف والجبايات والسجون السرية والاغتصاب والنهب، تُدار بعناية، وتُحمى من الخارج، وتستهدف كل من يرفضها.
الطريق إلى الأمام ليس الانتقام، بل المحاسبة محاسبة كل من ارتكب جريمة، وكل من حمى مجرماً، وكل من باع الوطن وبعد المحاسبة، يمكن أن يُبنى يمن جديد.
