المشهد اليمني الأول/

يدخل العدوان السعودي على اليمن عامه الثالث من دون إحراز أي نتائج ملموسة للرياض على الأراضي اليمنية، بل تزاد فاتورة الدم؛ فمن لم يقتل بسلاحها المستورد من أمريكا وبريطانيا، تقتله عبر الحصار الجائر الذي أشعل المجاعات ونشر الأوبئة في أرجاء البلد الأفقر، كما أن فاتورة السعودية الاقتصادية، بدأت تثقل كاهل خزائنها، الأمر الذي بدأ يلقي بظلاله على الحلفاء في الداخل اليمني.

تحالف العدوان بقيادة السعودية، الذي بدأ في 25 مارس 2015 تحت مسمى “عاصفة الحزم”، مكوّن من ائتلاف عدة دول عربية، بالإضافة إلى دول أجنبية، حيث تشارك في العمليات دول عربية، كالمغرب والأردن والسودان والإمارات والكويت والبحرين وقطر، لكن الأخيرة استبعدت من التحالف بعد نشوب الأزمة الخليجية، كما فتحت الصومال مجالها الجوي والمياه الإقليمية والقواعد العسكرية لاستخدامها في العدوان على اليمن.

وفيما يخص الدول الأجنبية المشاركة فتتقدمها الولايات المتحدة، بالدعم اللوجستي للعمليات، وبيع الأسلحة لدول التحالف، ونشرت أمريكا وبريطانيا أفرادا عسكريين في مركز القيادة والسيطرة المسؤول عن الضربات الجوية بقيادة السعودية في اليمن، لكن كل الجحافل العسكرية المعتدية لم تستطع النّيل من عزيمة المقاومة للشعب اليمني، التي تتشكل من حركة أنصار الله وبعض شخصيات حزب المؤتمر الشعبي من خارج جناح الرئيس اليمني الراحل، علي عبد الله.

الجيش اليمني واللجان الشعبية مازالت تسيطر على أجزاء كبيرة في اليمن، بما فيها العاصمة صنعاء، منذ أبعدوا الرئيس المنتهية ولايته، عبد ربه منصور هادي، عن السلطة قبل ثلاثة أعوام، ورغم ادعاءات التحالف بأنه يسيطر على 80% من أرض اليمن، فلا مؤشرات لهذه المزاعم على أرض الواقع.

ويرى خبراء أن التغيرات الأخيرة في السلك العسكري السعودي، التي أطاحت برئيس أركان الجيش، تمثل انعكاسا للفشل التام فيما يخص العدوان على اليمن، كدخول قوات يمنية إلى الأراضي السعودية وتوغلها عشرات الكيلو مترات، الأمر الذي جعل ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان، في غاية الحرج، فإما أن يعترف بالهزيمة ويجلس على طاولة المفاوضات، أو الاستمرار في حربه العبثية.

ويبدو أن ابن سلمان قرر الارتكان للعبث، الأمر الذي دفعه مؤخرًا لطلب النجدة من باكستان، حيث كشف الجيش ‌الباكستاني، في بيان رسمي له، في 17فبراير الماضي، نشر عدد من القوات داخل حدود ‌المملكة‌ العربية ‌السعودية، ضمن اتفاقية موقعة بين الجانبين بشأن الدفاع المشترك، وأشارت بعض الأوساط ‌الباكستانية إلى أنها تزيد على 800 عنصر عسكري، مع كامل أسلحتهم.

وينفي بعض الخبراء العسكريين ما جاء في موقع “دوان” الباكستاني، بأن القوات الباكستانية جاءت في إطار استشاري، لأن السعودية لديها من المدربين والاستشاريين العسكريين والأمنيين من الأمريكيين والبريطانيين ما يكفيها، وقال خبراء إن القوة جاءت للدفاع عن عرش بن سلمان، كحال القوات السودانية التي تقاتل في اليمن.

ذريعة العدوان السعودي على اليمن كانت تحت شعار حماية الشرعية وتقويض النفوذ الإيراني في المنطقة، رغم أن أنصار الله، أقلية وينسبون للزيدية، وليسوا محسوبين على الاثنا عشرية، وبالتالي هم كيان مستقل دفعته مظلوميته للتقارب أو التأثر بالفكر الايراني، كما الحال في تقارب حماس مع طهران بسبب البطش الإسرائيلي والأمريكي بحق الشعب الفلسطيني.

السعودية نفسها كانت على تحالف في مراحل تاريخية مع أنصار الله في حربها القديمة داخل اليمن، وفي حقيقة الأمر، يرى متابعون أن الرياض حاولت إشعال الورقة اليمنية باعتقادها أنها ستشكل وسيلة للضغط على إيران لتقديم تنازلات في الملف السوري، الاعتقاد الذي أثبت فشله وأغرق الرياض في الوحل اليمني.

مجريات الأمور تقول حاليًا، إن للسعودية وللإمارات أهدافا لا تبتعد عن احتلال اليمن بكل ما تعنيه الكلمة؛ فمن تقسيم البلاد إلى الاستحواذ على الثروات والمقدراته الجيوسياسية، كما يحدث في عدن وسقطرى، حيث تدور رحى المنافسة وتقاسم النفوذ بين الرياض وأبوظبي، الأمر الذي بدأ ينعكس جليًا في خلافاتهم، فحجج حماية الشرعية سقطت بعد محاولات جهات من الحراك الجنوبي المدعومة من الإمارات بإسقاط مؤسسات هادي السياسية والعسكرية في عدن في ظل صمت سعودي مطبق.

وقبل أيام حمّل وزير النقل اليمني، صالح الجبواني، الإمارات مسؤولية منعه من الحركة في شبوة والقيام بعمله، ودعا إلى اتخاذ قرار سيادي يصحح العلاقة مع الإمارات، كما اتهم محافظ شبوة بالفساد والتواطؤ مع أبو ظبي.

ويبدو أن واشنطن باتت تدرك أن الحرب السعودية في اليمن خاسرة، فبالأمس كشف مشرعون أمريكيون النقاب عن خطط لاستخدام قانون صدر قبل عقود “1973”، لإجراء تصويت في مجلس الشيوخ على سحب البلاد من الحرب الأهلية في اليمن، ويسمح القانون لأي عضو في المجلس بطرح قرار حول سحب القوات المسلحة الأمريكية من صراع لم تحصل المشاركة فيه على تفويض من الكونجرس.

ومن جهته، قال قائد القيادة المركزية الأمريكية الجنرال، جوزيف فوتيل، الذي كان يقدم شهادته أمام الكونجرس الأمريكي حول إيران، إن الأزمة الخليجية ثبت أنها كانت لصرف الأنظار عن العمليات التي تشنها السعودية باليمن.

وكأحد المؤشرات على الخسائر المادية للسعودية، التي انعكست مؤخرًا على حلفائها في اليمن، أرجأت الرياض تسليم وديعة أعلنت عنها سابقا بقيمة ملياري دولار للبنك المركزي اليمني، وكان من المفترض أن تعزيز الوديعة السعودية الوضع المالي والاقتصادي في اليمن، لاسيما سعر صرف العملة المحلية، وقد لا يبتعد الإرجاء عن الوضع الاقتصادي الصعب الذي تعيشه السعودية جراء العدوان على اليمن وانخفاض أسعار النفط، حيث تراجعت الأصول الاحتياطية الأجنبية السعودية في العام الماضي، بنسبة 7.3%، إلى 496.4 مليار دولار، هبوطًا من 535.8 مليار دولار في نهاية 2016.

وعن الجانب الدموي، كشفت إحصائية مدنية نشرها المركز القانوني للحقوق والتنمية، نهاية العام الماضي، أن عدد الضحايا المدنيين جراء العدوان السعودي الأمريكي على اليمن خلال 1000 يوم بلغ 35 ألفا و415 ما بين شهيد وجريح، وبلغ إجمالي عدد الشهداء الموثقين لديه 13 ألفا و603 من بينهم ألفي و887 طفلًا، وألفي و27 امرأة، فيما بلغ عدد الشهداء من الرجال 8 آلاف و689 رجلًا، مؤكدا أن جميعهم من المدنيين، وذكر المركز أن عدد الجرحى بلغ 12 ألفا و812، بينهم ألفي و722 طفلا، وألفي و233 امرأة، 16 ألفا و857 رجلًا، فيما تجاوز عدد النازحين اثنين مليون وستمائة وخمسين ألفا.

بقلم/ خالد عبدالمنعم

ترك الرد

من فضلك ادخل تعليقك
من فضلك ادخل اسمك هنا