تتواصل الحرب الاقتصادية الممنهجة على أبناء المحافظات الجنوبية والشرقية، مع إقدام ما تسمى حكومة المرتزقة على فرض جرعة مزدوجة طالت الدولار الجمركي والمشتقات النفطية في توقيت بالغ الحساسية، ما فجّر موجة غضب واسعة في الأوساط الشعبية والتجارية، وأعاد إلى الواجهة صورة سلطة لا تملك سوى تحميل المواطن المنهك كلفة فشلها وفسادها وارتهانها.
وفي أخطر هذه القرارات، رفعت الحكومة سعر الدولار الجمركي بنسبة تجاوزت 106%، في خطوة وصفت بأنها ضربة مباشرة للتجارة والأسواق والقدرة الشرائية، إذ قفز السعر من 750 ريالاً إلى أكثر من 1550 ريالاً، ما يعني عملياً مضاعفة كلفة الاستيراد والشحن والتخليص، وفتح الباب أمام موجة تضخم جديدة ستلتهم ما تبقى من دخل المواطن في المحافظات المحتلة. ولم يكد الشارع يستوعب صدمة هذه الجرعة، حتى أتبعتها شركة النفط في عدن بجرعة جديدة على الديزل، رفعت سعر صفيحة العشرين لتراً من 29,500 ريال إلى 36,000 ريال، بنسبة بلغت 24.5%، بعد أسابيع فقط من جرعة مماثلة طالت البنزين.
هذه القرارات المتلاحقة لم تبقَ حبراً على ورق، بل انفجرت سريعاً في الميدان، حيث شهد منفذ الوديعة البري إضراباً واسعاً لشاحنات النقل احتجاجاً على الجبايات الجديدة، وسط تحذيرات من شلل الحركة التجارية وتضاعف تكاليف النقل والتحميل والتوزيع. وأكد المحتجون أن رفع الدولار الجمركي بهذا الشكل سيدفع كثيراً من المستوردين والتجار إلى تحويل مسار بضائعهم نحو ميناء الحديدة والمنافذ التابعة لحكومة صنعاء، هرباً من الابتزاز الجمركي وتجنباً لتدمير ما تبقى من بيئة الاستثمار في منافذ عدن وبقية المناطق الخاضعة لسيطرة أدوات العدوان.
ولا تتوقف خطورة هذه الجرعة عند حدود الأرقام، بل تمتد إلى سلسلة الأسعار بأكملها. فرفع كلفة الوقود يعني تلقائياً ارتفاع أجور النقل والتوزيع، ورفع الدولار الجمركي يعني تضاعف أسعار السلع المستوردة، ما يضع المواطنين أمام موجة غلاء شاملة ستطال الغذاء والدواء والخدمات الأساسية، في ظل انعدام الرقابة على الأسواق وانهيار القدرة الشرائية وتآكل الدخول بشكل غير مسبوق. وهكذا، يجد المواطن نفسه بين فكّي كماشة: جباية حكومية بلا سقف، وسوق مفتوحة على الجشع والاحتكار من دون أي حماية أو معالجة.
ويرى خبراء واقتصاديون أن هذا المسار يكشف فشلاً إدارياً ومالياً ذريعاً لدى حكومة المرتزقة والتحالف الداعم لها، لا سيما أن هذا الرفع يمثل الجرعة الرابعة على الدولار الجمركي منذ عام 2021، حين كان مستقراً عند 250 ريالاً. وبحسب هذه القراءة، فإن اللجوء المتكرر إلى الجرع السعرية ليس حلاً اقتصادياً، بل دليل على العجز عن توريد الإيرادات، والفشل في مكافحة الفساد، والانهيار في إدارة الموارد، مع الاستعاضة عن ذلك بأسهل الطرق وأكثرها قسوة: السطو على ما تبقى في جيب المواطن.
أما الحديث عن رفع الرواتب بنسبة 20%، فلا يعدو كونه محاولة بائسة لذر الرماد في العيون، لأن أي زيادة شكلية ستذوب فوراً تحت ضربات التضخم المتسارع وانهيار العملة المحلية المطبوعة بلا غطاء. فالمشكلة لم تعد في مستوى الراتب وحده، بل في انهيار القيمة الشرائية بالكامل، بحيث لم يعد المواطن قادراً على مجاراة الحد الأدنى من متطلبات الحياة، فيما تتوالى القرارات التي تدفعه أكثر نحو الفقر والعجز والحرمان.
في المحصلة، لا تبدو هذه الإجراءات مجرد معالجات مالية أو قرارات إدارية، بل حرب معيشية مكتملة الأركان تُدار ضد أبناء المحافظات المحتلة، وتؤكد أن سلطة الارتزاق والتحالف لا تملك مشروعاً لإنقاذ الناس، بل مشروعاً واحداً فقط: المزيد من الجباية، والمزيد من الإفقار، والمزيد من تفجير الأزمات في وجه الشارع. ومع تراكم هذا الاحتقان، تبدو المحافظات الجنوبية والشرقية أمام مرحلة شديدة الخطورة، قد لا يبقى فيها الغضب محصوراً في بيانات الاستنكار أو إضرابات الشاحنات، بل قد يتحول إلى انفجار شعبي واسع في وجه من أوصلوا الناس إلى هذا الدرك من المعاناة.
