أكد قائد أنصار الله عبدالملك بدرالدين الحوثي، في المحاضرة الخامسة من سلسلة “إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم”، أن الاعتماد على الأعداء في الحاجات الأساسية، وفي مقدمتها الغذاء، يحوّل الشعوب إلى ورقة ضغط بيد خصومها، مشدداً على أن الأعداء يستخدمون الضغوط الاقتصادية والمقاطعة كسلاح رئيسي في استهداف الأمة، بينما لا تستفيد شعوب الأمة بالقدر المطلوب من هذا السلاح المؤثر في مواجهتهم.
وأوضح الحوثي أن اليهود الصهاينة وأمريكا وإسرائيل يدركون تماماً أهمية سلاح المقاطعة، ولذلك فعّلوه على مدى السنوات الماضية ضد إيران والعراق وليبيا وسوريا واليمن وكوبا وغيرها من البلدان، في حين أن كثيراً من الأنظمة العربية والإسلامية التزمت بالمقاطعة الاقتصادية وفق المصلحة الأمريكية، بل تحولت إلى الأكثر التزاماً بها ضد دول إسلامية، بدل أن توظف هذا السلاح في وجه الأعداء الحقيقيين. واعتبر أن الالتزام الأعمى بالقرارات الأمريكية على حساب تعاليم القرآن ومصالح الأمة كان سبباً رئيسياً في تعميق واقع الضعف والتبعية.
وفي البعد الاقتصادي، أشار السيد الحوثي إلى وجود تفريط خطير في اعتماد الاستيراد كسياسة اقتصادية على حساب الإنتاج المحلي، لافتاً إلى أن بعض رجال المال والأعمال باتوا يستوردون أبسط الأشياء وأتفهها بالدولار، في مشهد يعكس غياب الروح العملية والإنتاجية، ويؤدي إلى البطالة والتسيّب وفقدان المهارة العملية داخل المجتمع. وشدد على أن النهضة الاقتصادية الحقيقية لا يمكن أن تقوم إلا في إطار تحرك عملي وإنتاجي تنهض فيه الشعوب وتستثمر مواردها وإمكاناتها بنفسها.
وأكد أن الثروات الوطنية السيادية من نفط وغاز ما تزال تحت سيطرة الأعداء، وأن الشعب اليمني يُحرم منها، في ظل حصار اقتصادي شديد جداً وصفه بأنه أشد من الحصار المفروض على كثير من البلدان العربية والإسلامية. وأضاف أن الأصناف الممنوعة على اليمن في الاستيراد هي غالباً من الأشياء ذات الجدوى والفائدة، بينما يُسمح بدخول ما لا قيمة له ويخدم الأعداء، معتبراً أن الجانب السعودي يستفيد أموالاً طائلة من سلع تافهة يمكن إنتاجها محلياً، في وقت يراكم فيه هو نفسه إيرادات هائلة من النفط في الجزيرة العربية.
ورأى قائد أنصار الله أن الحل الاقتصادي والمعيشي يبدأ أولاً بـ الرجوع إلى الله والقيام بالمسؤوليات المتعلقة بالمجال الاقتصادي وفق تحرك صحيح وجاد، مؤكداً أن تحويل جزء من الأموال التي تذهب إلى الخارج نحو الإنتاج المحلي كفيل بتغيير الواقع لمصلحة التجار أنفسهم ولصالح البلد عموماً. كما شدد على أن الاكتفاء الذاتي يمثل جزءاً أساسياً من الحلول، وأن مقاطعة بضائع الأعداء لا تقتصر فائدتها على البعد السياسي، بل تسهم مباشرة في تحريك اليد العاملة والمواد الخام والمقومات الاقتصادية المحلية.
وأضاف أن أكثر الأموال العربية والثروات في العالم الإسلامي تصب في صالح الأعداء، مستشهداً بما قاله ترامب حين وصف السعودية بأنها “بقرة حلوب”، معتبراً أن هذا التعبير يكشف حقيقة النظرة التي يحملها الأعداء تجاه الأمة: استنزافها حتى آخر قطرة ثم القضاء عليها. ومن هنا شدد على أن المقاطعة مسؤولية كبيرة على الأمة كلها، لأنها وسيلة متاحة لكل الناس، ولا يترتب عليها ضرر إذا اقترنت بالتطبيق العملي واعتماد البدائل الأخرى. كما أشار إلى أن بلدان الخليج هي الأكثر استهلاكاً لبضائع الشركات الصهيونية العابرة للقارات، بل وصل الأمر إلى الترويج المباشر لبضائع ينتجها العدو الصهيوني نفسه.
وفي المحور الإعلامي، حذر السيد الحوثي من أن الميدان الإعلامي بات واحداً من أخطر ميادين الصراع، مشيراً إلى أن كثيراً من الناس يتحركون في مواقع التواصل بلا ضوابط أخلاقية ولا دينية ولا وعي بقضايا الأمة. وأكد أن حرية الإعلام لا تعني حرية الكذب والبهتان والدجل والتشويه والتزوير والإضلال، ولا تعني هتك الأعراض أو التحريض لخدمة الباطل والأعداء. واعتبر أن عنوان “حرية التعبير” كما يطرحه الغرب هو عنوان مخادع، لأن الغرب نفسه لا يقبل بهذه الحرية عندما يتعلق الأمر بانتقاد جرائم اليهود أو التضامن مع فلسطين وقضايا الأمة.
وأشار إلى أن اليهود يركزون تركيزاً كبيراً على الإعلام، ولديهم وسائل إعلامية كثيرة، لكن الأخطر أن هناك وسائل إعلام تتبع حكومات أو جهات عربية تعمل عملياً لخدمة اليهود، حتى بات الفارق بينها وبين الإعلام الصهيوني المباشر فارق اللغة فقط. كما لفت إلى أن بعض الخونة يقدمون أنفسهم على أنهم من اليمن، بينما هم ضد الشعب اليمني، ويرددون نفس مصطلحات نتنياهو ووسائل الإعلام الصهيونية، في وقت تشتغل فيه بعض المنابر السعودية والخليجية على تحريف بوصلة العداء لدى الأمة باتجاه يخدم إسرائيل وأمريكا.
وختم السيد الحوثي بالتأكيد على أن جزءاً كبيراً من الحرب الناعمة يأتي عبر الإعلام، للتأثير على الأفكار والرأي العام والولاءات والعداوات، وصولاً إلى التمييع والإفساد الأخلاقي، معتبراً أن حكومات وجهات كثيرة تعمل مع اليهود في هذا المسار، لأن الأعداء يعتمدون على الإفساد الأخلاقي قبل اعتمادهم على العتاد العسكري. وبذلك، فإن معركة الأمة اليوم ليست فقط معركة سلاح وميدان، بل أيضاً معركة وعي ومقاطعة وإنتاج وإعلام، ومن يكسب هذه الجبهات يكون قد خطا خطوة كبيرة نحو التحرر الحقيقي وكسر الهيمنة.
