ذات صلة

الأكثر مشاهدة

للباطل صولة ثم يضمحل

كما ورد عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-:...

جنوب لبنان بين الركام والصمود.. قرى تنفض غبار العدوان وحياة تعود من تحت النار

تعود الحياة تدريجياً إلى عدد من بلدات جنوب لبنان، رغم آثار الدمار الواسع الذي خلّفه عدوان الاحتلال الإسرائيلي، في مشهد تختلط فيه رائحة الركام بملامح الصمود، وتتشابك فيه قصص الفقد مع إرادة الأهالي في البقاء وإعادة إعمار ما هدمته الحرب.

ورصدت كاميرا الجزيرة مشاهد من بلدات جنوبية بدأ سكانها ونازحوها بالعودة إليها، حاملين أمتعتهم وذكرياتهم الثقيلة، وشرعوا في ترميم منازلهم ومحالهم وإزالة آثار القصف، بينما لا تزال الجدران المهدمة والبيوت المحترقة شاهدة على حجم العدوان الذي استهدف القرى والناس ومقومات الحياة.

وفي بلدة معركة التابعة لقضاء صور، برزت حكايات صمود لافتة لأهالٍ رفضوا المغادرة رغم التهديدات الإسرائيلية المتكررة بإخلاء البلدة. ومن بين هؤلاء الصيدلاني أحمد، الذي واصل عمله خلال مرحلة التصعيد، قبل أن يدمر العدوان صيدليته القائمة منذ 27 عاماً، إلى جانب مبناه الجديد، لكنه أكد إصراره على إعادة البناء بشكل أفضل، في رسالة تختصر معنى الثبات في أرض لا يغادرها أهلها رغم النار.

وعلى المنوال ذاته، اختار خباز في البلدة البقاء والصمود، منتظراً عودة الزبائن والحياة إلى الشوارع، في صورة تعكس إصرار الجنوبيين على أن الحرب لا تستطيع اقتلاع تفاصيلهم اليومية، ولا تحويل قراهم إلى مساحات مهجورة كما يريد الاحتلال.

لكن هذا الصمود لم يكن بلا ثمن. فقد دفعت عائلة طالب ثمناً باهظاً بعد أن فقدت ثمانية من أفرادها في غارة إسرائيلية استهدفت منزل أحد أفراد العائلة قبل أقل من شهر، حيث استُشهدوا وهم آمنون، ومن بينهم طفل صغير انتشله الشبان من المسبح بعدما كان يسبح في لحظة عادية تحولت بفعل العدوان إلى مأساة دامية.

وتحمل عودة النازحين إلى القرى قصص وجع لا تقل قسوة عن مشاهد الدمار. فقد عادت المواطنة فاطمة من محيط العاصمة إلى قريتها، لا لتبدأ حياة جديدة فقط، بل لتستقبل المعزين في فقدان نجلها الوحيد محمد، الذي رفض مرافقة العائلة في رحلة النزوح، لتبكيه بحرقة وتتساءل عما شعر به في لحظاته الأخيرة.

وتختصر هذه المشاهد واقع الجنوب اللبناني بعد سنوات من الحرب والهدن الهشة: منازل مدمرة، وجوه مرهقة، دموع معلقة، وأهالٍ يرفضون أن تتحول قراهم إلى ذاكرة محروقة. فالحياة هناك لا تعود بسهولة، لكنها تعود بإرادة الناس، وبإصرارهم على ترميم المكان كما يرممون قلوبهم المثقلة بالفقد.

وتبقى حياة السكان معلقة بين المخاوف الأمنية والرغبة العميقة في العودة إلى الأرض، في انتظار ما ستؤول إليه التفاهمات الإقليمية والدولية المرتبطة بوقف إطلاق النار، خصوصاً أن التهدئة في لبنان باتت جزءاً من الاتفاق الأمريكي الإيراني الذي دخل حيز التنفيذ في 18 يونيو/حزيران 2026 بعد توقيعه إلكترونياً من قبل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

ومنذ 2 مارس/آذار 2026، شن الاحتلال الإسرائيلي عدواناً واسعاً على لبنان أسفر، وفق معطيات وزارة الصحة اللبنانية، عن استشهاد 4057 شخصاً وإصابة 12121 آخرين، إضافة إلى نزوح أكثر من مليون شخص، في واحدة من أعنف موجات العدوان التي استهدفت الجنوب ومحيطه خلال السنوات الأخيرة.

ورغم حجم الدمار والدماء، يبدو جنوب لبنان اليوم كأنه يبعث رسالته من جديد: الأرض لا تُترك، والقرى لا تموت، والحياة في مواجهة الاحتلال فعل مقاومة يومي. فكل صيدلية تُرمم، وكل فرن يعود للعمل، وكل عائلة تعود إلى بيتها ولو فوق الركام، تشكل إعلاناً جديداً بأن العدوان لم ينجح في كسر إرادة الناس ولا في اقتلاعهم من قراهم.

spot_imgspot_img