تكشف التطورات الجارية في مطارح الريان بمحافظة الجوف عن محاولة سعودية جديدة لإعادة إنتاج أدوات المواجهة مع صنعاء تحت غطاء “النكف القبلي”، عبر الدفع بأتباعها وتمويل تحركاتهم وفرض قيادة موالية لها على المطارح، في مسار يعكس إصرار الرياض على استخدام الساحة القبلية وقودا لمعاركها المؤجلة مع الدولة اليمنية، مع السعي إلى تغليف هذا التدخل المباشر بواجهة اجتماعية ومحلية توحي بأن ما يجري تحرك قبلي مستقل، بينما تشير الوقائع إلى أنه تحشيد موجه ومدار سعوديا.
وبحسب مصادر قبلية، فقد خصصت اللجنة الخاصة السعودية مجمع بن حترش الدولي في الخشعة لصرف بترول مجاني للعناصر والموالين القادمين من حضرموت، إلى جانب صرف خمسة آلاف ريال سعودي لكل فرد عبر ياسر المعبري الذي يشغل منصب قائد الفرقة الأولى طوارئ، في مؤشر واضح على أن التحركات في الريان لا تقوم على اندفاعة قبلية عفوية، بل على تمويل مباشر وإدارة لوجستية منظمة هدفها حشد أكبر عدد ممكن من العناصر تحت المظلة السعودية.
وفي السياق ذاته، دفعت الرياض أيضا بعناصر حزب الإصلاح القبلية إلى المطارح، رغم أن الحزب كان قد أبدى سابقا تحفظا واضحا على دعوة النكف التي أطلقها حمد بن فدغم، انطلاقا من خشية أوساطه من أن تكون الدعوة مدفوعة من صنعاء أو قابلة للاحتواء في اتجاهات لا تخدم حساباته. غير أن هذا الموقف تبدل بصورة لافتة بعد الضوء الأخضر السعودي وبدء التحضيرات الأوسع، ما أدى عمليا إلى تهميش بن فدغم نفسه، الذي توارى عن الظهور واكتفى بتسجيل صوتي كشف فيه وجود أجندات سياسية وحزبية خلف المنضوين في المطارح، متهما أشخاصا “منظومين” ينتمون إلى تنظيم حزبي بغيض باتخاذ قرارات منفردة وتعيين قائد عام للمطارح، في محاولة لتخريب المسار الذي أعلن عنه.
وفي هذا الإطار، برز اسم راضي بن حجره المرزوقي بوصفه القائد العام المفروض على المطارح، في خطوة تؤكد أن السعودية لم تكتف بتمويل التحشيد، بل مضت إلى إعادة تشكيل القيادة الميدانية والسياسية بما يضمن انتقال القرار من الإطار القبلي المعلن إلى قبضة الشخصيات الموالية لها. وهنا تتضح ملامح المشهد كاملة: السعودية تموّل، وأدواتها الحزبية تنخرط، والقيادة تُفرض من فوق، فيما يُترك للقبائل أن تقدم الغطاء البشري والاجتماعي لمشروع تتجاوز أهدافه بكثير عنوان “النكف” المعلن.
وفي مقابل هذا المسار التصعيدي، جاءت رسالة الشيخ عبدالكريم العواضي من ردمان بوصفها تحذيرا قبليا وسياسيا شديد الدلالة إلى أهل مطارح الريان، محمّلة بتجربة سابقة لا تزال آثارها حاضرة في الذاكرة. فالعواضي لم يتحدث من موقع التنظير أو المزايدة، بل من واقع تجربة شخصية وقبلية مع الوعود السعودية ووعود الشرعية التي قادت، بحسب روايته، إلى كارثة ردمان ثم انتهت إلى خذلان دموي وميداني فادح.
وأوضح العواضي أن ردمان كانت في الأصل “مديرية سلام”، وأن قوات صنعاء لم تدخلها سابقا احتراما لياسر العواضي، غير أن المشهد انقلب بعد حادثة جهاد الأصبحي، حين بدأ الحديث عن تحرك قوات ما تسمى “الشرعية” لتحرير البيضاء، وتدفقت الوعود والاتصالات من شخصيات سعودية وعسكرية على رأسها محمد آل جابر ومحمد المقدشي وصغير بن عزيز، وكلها كانت تَعِد بحشود كبيرة وتدخلات حاسمة ومسار سريع نحو الحسم العسكري.
وبحسب رواية العواضي، وصل إلى المنطقة نحو 30 ألف قبلي، وتكفلت آل عواض بضيافتهم بما يزيد على ثلاثة ملايين دولار خلال شهرين، على أمل أن يكون ذلك مقدمة لمعركة محسوبة ومدعومة. لكن ما جرى لاحقا كشف، بحسب وصفه، حجم الخديعة والانهيار، إذ ما إن بدأت المواجهة وتحركت قوات صنعاء بعد قصف معسكر السوادية، حتى انسحبت أطقم “الشرعية” خلال ساعتين فقط، وسقط أكثر من 30 قتيلا معظمهم من آل عواض، إضافة إلى أسر عدد مماثل، بينما لم يصل من كل وعود الدعم سوى دينتين ذخيرة نصفها فاسد.
وتكتسب شهادة العواضي أهميتها من أنها لا تكتفي بسرد الخذلان العسكري، بل تكشف أيضا منهجية الاستغلال السياسي للقبائل: وعود كبيرة قبل المعركة، تراجع وانسحاب لحظة الحسم، ثم انقطاع للاتصالات، وتحويل الضحايا بعد ذلك إلى مادة للاتهام والتخوين. وفي المقابل، أشار العواضي إلى أن صنعاء قامت لاحقا، بحسب تعبيره، بـ “فك البيوت” وإطلاق أغلب الأسرى بشكل فردي، رغم أن من كانوا يزعمون تمثيل أولئك المقاتلين لم يدرجوهم حتى في صفقات التبادل.
ومن هنا جاءت رسالته إلى مطارح الريان واضحة ومباشرة: لا تكرروا خطأ ردمان، ولا تدخلوا معركة يتحمس لها الآخرون في غرف السياسة والإعلام ثم يتركون أبناء القبائل وحدهم أمام الدم والخسارة والخذلان. فالعواضي أراد أن يقول إن المعركة التي تُبنى على إغراء المال الخارجي والتحشيد الحزبي والوعود السعودية ليست معركة القبائل، بل معركة من يدفعون إليها ثم يختفون عندما تبدأ الكلفة الحقيقية.
وفي ما يتعلق بقضية بن فدغم، قدّم العواضي مقاربة تنزع عنها التوظيف السياسي، معتبرا أن قبائل سحار جاءت بـ “جمل وحكم”، وأن القضية كان يمكن أن تُحل في إطارها القبلي الطبيعي لو لم يتم تضخيمها وتوسيعها وإخراجها من سياقها. ووجّه في هذا السياق ملاحظات حادة إلى طريقة إدارة الملف، معتبرا أن تحويله إلى منصة تحشيد ومناورة سياسية لم يخدم القضية، بل فتح الباب أمام قوى خارجية وحزبية لركوبها وتوظيفها في اتجاهات أبعد من مضمونها الأصلي.
كما شدد العواضي على أن من يريد فعلا “تحرير صنعاء” أو خوض مواجهة كبرى، فليتقدم بنفسه وليختبر قدرته دون أن يجعل دماء القبائل وقودا لمشاريع الآخرين. وفي تقدير عسكري بالغ الدلالة، حذر من أن انفجار المواجهة هذه المرة قد لا يتوقف عند حدود الجوف، بل قد يفتح مسارا ميدانيا أوسع يصل إلى عتق، بما يعني أن اللعب بالنار القبلية في هذه اللحظة لا يهدد فقط أصحاب المطارح، بل قد يدفع المنطقة كلها إلى تداعيات تتجاوز قدرة المحرضين أنفسهم على التحكم بها.
إن ما يجري في الريان لا يمكن قراءته خارج سياق أوسع من إعادة تدوير المشروع السعودي في اليمن بعد انكشاف فشله العسكري والسياسي على مدى السنوات الماضية. فبعدما عجزت الرياض عن فرض إرادتها بالحرب المباشرة، تعود اليوم إلى تفخيخ الجبهة القبلية، وتغذية الانقسامات، ودفع أدواتها الحزبية والمالية لتجميع ما أمكن من العناوين المحلية، في محاولة لخلق بؤرة استنزاف جديدة ضد صنعاء.
لكن الرسالة التي حملها العواضي، ومعها الوقائع الميدانية والسياسية، تقول بوضوح إن القبيلة التي جربت الوعود السعودية مرة دفعت الثمن وحدها، وإن إعادة إنتاج المشهد ذاته في الريان لن تعني سوى إعادة تدوير الخسارة نفسها بأسماء جديدة. ولذلك فإن الخلاصة الأهم في هذا المشهد هي أن التحشيد الجاري ليس نكفا قبليا خالصا، بل مشروع سعودي بأدوات محلية، وأن الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في إشعال مواجهة جديدة، بل في تحويل أبناء القبائل إلى أداة رخيصة في معركة يتولى الآخرون التخطيط لها، ثم ينسحبون منها عند أول اختبار جدي.
