أحد عشر عاماً من الحصار والعدوان على اليمن أطفأت حياة أكثر من 864 ألف طفل أمام صمت أممي مخزي.. بينما تسحق المأساة 22 مليون يمني تحت وطأة الكبر والغرور السعودي..
أرقام الرعب لا يمكنها وحدها وصف سوداوية المشهد.. فاليمن ينزف من أطفاله ونسائه ورجاله مئات الآلاف من الضحايا والمهددين بالموت بفعل العدوان والحصار.. وهي كذلك لمئات المليارات من الدولارات خسائر اقتصادية تراكمية ونهب ممنهج للثروات سلب ملايين الأسر رواتبها وقوت عيشها..
وكما كانت وحشية عقد من الحصار الخانق والقيود الفتاكة بالأرض والإنسان.. كان هناك قدرٌ من نوع آخر..
فبينما كانت الحسابات تراهن على حتمية انكسارها تحت وطأة العزلة والقهر، وظنوا أن الحصار سيكتم أنفاسها، قامت صنعاء لتكتب بالدماء والجراح وسنين القحط قواعد اشتباك جديدة تجبر العالم على الإنصات.. وتعطي للأمم درساً في الإرادة ورفض الطغيان والظلم لعلها توحي لقهر الشعوب شيئاً من الكرامة والعزة..
سميت المعادلات لموازنتها بين طرفين على نحو يرسخ العدل.. فكانت المعادلة “لن نجوع ورفاهيتكم على بعد مرمى حجر.. إما العيش بسلام وكرامة للجميع أو فليتفضل الجميع إلى مأدبة التأديب والقصاص”..
انتهى عصر الاستفراد وتغيرت الخارطة وإلى الأبد.. فالقرار الحاسم بفك الحصار عن الموانئ والمطارات اليمنية لم يكن مجرد مناورة على طاولة التفاوض، واليد التي امتدت لكسر الحصار عن شواطئ اليمن وأجوائه لم تكن تراهن على الحبر، بل خطوة استراتيجية محمية بالسلاح والدم.. مستندة للحق الفطري والإنساني وحتى بالقانون الدولي.. ومن هنا فرضت معادلة جديدة مسنودة بحديد الردع..
فحين توهموا أن قصف مطار صنعاء سيعيد عقارب الساعة، جاء الصاع بالمثل خاطفاً على مطار أبها.. ليحفر في ذاكرة الإقليم حقيقة لا تمحى “سقطت معادلة الصمت، وانتهى زمن الفعل بلا رد”..
لم تتوقف المعادلة عند حدود “العين بالعين”، بل كسرت صنعاء سقف الردع بالكامل.. فكل المنشآت الحيوية والحساسة في العمق السعودي باتت تحت رحمة الحديد والنار على طاولتها إن لم يرفع الحصار كاملا وبلا قيد أو شرط..
تحول زلزالي لم يأت من فراغ، بل قام على جدار أسطوري من طوفان بشري هادر فاضت به الساحات، ليمنح القوات المسلحة تفويضاً مطلقاً بالحديد والنار، ويؤكد للعالم أن الصواريخ والمسيرات لم تصنع إلا لتترجم معاني الإرادة والحرية والسيادة لشعب عزيز يأبى الضيم..
في المحصلة، لم تعد صنعاء اليوم مجرد عاصمة تدافع عن بقائها، بل أضحت الرقم الأصعب والمعادلة الإستراتيجية التي لا يمكن القفز عليها في السلم والأمن الإقليمي والدولي.. ومن يمتلك القدرة على انتزاع حقوقه ويطوع الميدان لصون مقدرات شعبه هو من يملي على التاريخ فصول الأسطر والصفحات القادمة..
واليوم، تقف صنعاء شامخة، لتسمع العالم بلسان الحكمة والحديد والقوة.. وتعلنها للقاصي والداني أن زمن الإخضاع والاستعباد قد انتهى.. وأن مفاتيح أمن المنطقة واستقرارها تبدأ بالاعتراف بحقوقها المشروعة فطرياً وإنسانياً، لا أكثر ولا أقل.. فهل تعي مملكة الحصار والدمار قبل فوات الأوان.. أم أن غرور فرعون واستكباره سيجرها إلى أعماق البحر.. وعندها لن تنفع الحسرة وإن آمنت برب الأنصار..
