كشفت تقارير أمريكية وغربية متقاطعة أن العدوان الأمريكي–الإسرائيلي على إيران استنزف جانباً كبيراً من مخزون الولايات المتحدة من الصواريخ الاعتراضية والدقيقة بعيدة المدى، رغم محاولات البيت الأبيض والبنتاغون نفي حجم الأزمة والتأكيد أن الجيش الأمريكي لا يزال في أعلى درجات الجاهزية.
وأفادت شبكة “سي إن إن” بأن الجيش الأمريكي استهلك قرابة 80% من صواريخ “ثاد” الاعتراضية ونحو نصف مخزون صواريخ “باتريوت” منذ بدء الحرب، فيما حذر قادة عسكريون من أن مخزون الذخائر بات “منخفضاً بدرجة خطيرة”.
وبحسب تقديرات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، كانت الولايات المتحدة تمتلك قبل الحرب نحو 2,200 صاروخ باتريوت من الطرازات الحديثة، إضافة إلى 452 صاروخ ثاد، قبل أن تستهلك المواجهة الجزء الأكبر من هذه الترسانة خلال أكثر من خمسة أشهر.
كما نقلت “سي إن إن” عن مصدر مطلع على تقارير داخلية للبنتاغون أن القوات الأمريكية استخدمت تقريباً جميع أسلحتها بعيدة المدى وعالية الدقة، فيما جرى استهلاك نحو نصف مخزون صواريخ “توماهوك”.
وأكدت شبكة “سي بي إس نيوز” أن الولايات المتحدة استخدمت معظم مخزونها العالمي من الصواريخ الدقيقة بعيدة المدى، بما في ذلك جميع صواريخ الجيش التكتيكية من طراز “أتاكمز” وصواريخ الضربات الدقيقة “بريزم”.
ونقلت وكالة “رويترز” عن مصادر مطلعة أن الجيش الأمريكي استخدم تقريباً جميع صواريخه الأرضية الدقيقة بعيدة المدى، وأن القيادة المركزية استنفدت معظم الذخائر البرية التي كانت بحوزتها قبل الحرب، قبل أن تلجأ إلى سحب إمدادات من مخازن أمريكية في مناطق أخرى من العالم.
وأثارت هذه الخسائر مخاوف داخل الأوساط العسكرية الأمريكية من تراجع قدرة واشنطن على ردع خصومها، وفي مقدمتهم روسيا والصين، بعدما استهلكت الحرب على إيران ذخائر كانت مخصصة لمواجهة صراعات دولية أكبر.
وفي مقابل هذه التقارير، نفى وزير الحرب الأمريكي بيت هيغسيث ما نشرته وسائل الإعلام، ووصف تقرير “سي إن إن” بأنه “غير صحيح”، بينما زعم الرئيس دونالد ترامب أن الولايات المتحدة تمتلك “ذخائر أكثر بكثير مما تحتاج إليه”.
كما أكد متحدثون باسم البيت الأبيض والبنتاغون أن الجيش الأمريكي يمتلك ترسانة كافية لتنفيذ أوامر ترامب، غير أن التعاقدات الضخمة التي سارعت واشنطن إلى إبرامها لرفع معدلات إنتاج الصواريخ تكشف حجم القلق من تآكل المخزون.
ووقعت الولايات المتحدة اتفاقات مع شركتي “لوكهيد مارتن” و”نورثروب غرومان” بقيمة تتجاوز 3 مليارات دولار لزيادة إنتاج مكونات صواريخ “باتريوت” و”ثاد”، إلى جانب عقد قد تصل قيمته إلى 58.6 مليار دولار لإنتاج صواريخ باتريوت الاعتراضية.
وتسعى واشنطن إلى رفع إنتاج صواريخ “باتريوت” إلى ثلاثة أضعاف، ومنظومات “ثاد” إلى أربعة أضعاف، كما تخطط لزيادة إنتاج صواريخ “توماهوك” من نحو 60 صاروخاً سنوياً إلى ألف صاروخ.
ويؤكد محللون أن تعويض مخزون الصواريخ المتطورة، خصوصاً “باتريوت” و”ثاد”، قد يستغرق سنوات، فيما يتوقع ألا تستعيد بعض الذخائر الأخرى مستوياتها السابقة إلا خلال منتصف أو أواخر عام 2027.
وتكشف هذه المعطيات أن الحرب التي أرادت واشنطن من خلالها إخضاع إيران تحولت إلى معركة استنزاف واسعة أنهكت الدفاعات الأمريكية وأجبرت البنتاغون على السحب من مخزوناته العالمية.
وفي المحصلة، فإن تضارب الروايات بين النفي الرسمي والتقارير المتعددة لا يخفي الحقيقة الأبرز: إيران نجحت في استنزاف جزء حاسم من الترسانة الأمريكية، وتقليص هامش الحركة العسكرية لواشنطن، ووضع حلفائها أمام شكوك متزايدة بشأن قدرة المظلة الأمريكية على حمايتهم في أي مواجهة مقبلة.
