اقتربت إيران وسلطنة عُمان من استكمال تفاهم جديد لتنظيم حركة الملاحة في مضيق هرمز، في تطور يعكس انتقال الولايات المتحدة من التهديد العسكري إلى البحث عن تسوية تخفف الضغوط المتصاعدة على أسواق النفط والملاحة الدولية، بعد أكثر من خمسة أشهر من الحرب والاستنزاف.
وأعلنت وزارة الخارجية الإيرانية أن البيان المشترك مع سلطنة عُمان دخل مرحلة المراجعة والصياغة النهائية، مؤكدة أن الإعلان عنه بات قريباً ما لم تتدخل أطراف ثالثة لعرقلة التفاهم.
وأوضح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن طهران ومسقط اتفقتا على الخصائص والإحداثيات الجغرافية لمسارات عبور السفن في مضيق هرمز، لكنه شدد على أن التفاهم مع عُمان لا يعني في حد ذاته أن المضيق أصبح آمناً أو مفتوحاً بصورة كاملة.
وأكد نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي أن “التفاهم مع عُمان لا يعني فتح مضيق هرمز، لأن لذلك متطلباته الخاصة”، في إشارة إلى أن استئناف الملاحة الطبيعية يرتبط بإجراءات والتزامات يجب على الولايات المتحدة تنفيذها.
وشدد غريب آبادي على أن التفاهم بشأن المضيق يجب أن يقتصر على إيران وسلطنة عُمان فقط، باعتبارهما الدولتين المشاطئتين للممر، مؤكداً أن طهران “لن تقبل بأي شكل من الأشكال التدخل الأجنبي في مضيق هرمز”.
وأوضح أن تنفيذ التفاهم الجديد سيؤدي إلى إغلاق مسارات العبور المؤقتة المعمول بها حالياً، واعتماد ترتيبات ملاحية جديدة يمر بموجبها جزء كبير من مسارات دخول السفن وخروجها عبر المياه الإقليمية الإيرانية.
ويكرس هذا الترتيب دور إيران المركزي في إدارة حركة الملاحة داخل المضيق، ويضع حداً لمحاولات واشنطن فرض وجود عسكري أو ترتيبات دولية تتجاوز سيادة الدول المطلة عليه.
ونقلت الجزيرة عن مسؤول إيراني رفيع قوله إنه لم يتبق سوى مسألة أو مسألتين عالقتين أمام الوصول إلى اتفاق، مؤكداً أن هذه المسائل قابلة للحل، وأن قرار إغلاق مضيق هرمز أو إعادة فتحه سيتوقف على الإجراءات التي تتخذها واشنطن.
ويعني هذا الموقف أن طهران لم تتخل عن ورقة المضيق، بل ربطت أي تسوية ملاحية بالتزامات أمريكية واضحة، بما يجعل استمرار العبور أو توقفه جزءاً من معادلة الردع والضغط السياسي.
ونقل موقع “أكسيوس” عن مصادر مطلعة أن إيران والولايات المتحدة وسلطنة عُمان تقترب من التوصل إلى اتفاق مؤقت لمدة شهرين قابل للتمديد، وأن واشنطن تسعى إلى إعلان التفاهم في أقرب وقت.
وبحسب المصادر، ينص الاتفاق المقترح على تقسيم حركة السفن عبر ثلاثة ممرات شمالية ووسطى وجنوبية، وعدم فرض رسوم على عبور مضيق هرمز خلال مدة الاتفاق.
وأشارت المصادر إلى أن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وافق مبدئياً على التفاهم، على أن يخضع للموافقة النهائية من القيادة الإيرانية ومجلس الأمن القومي.
ويبدو أن هذه الترتيبات ستخضع لتعديلات إيرانية تضمن عدم تحويل المضيق إلى ممر دولي خاضع لإدارة أمريكية، خصوصاً مع تأكيد طهران أن الممرات الجديدة ستمر بدرجة كبيرة داخل مياهها الإقليمية.
وفي مؤشر على بدء تقديم تنازلات موازية للمفاوضات، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية رفع عقوبات مرتبطة بمكافحة الإرهاب عن ثلاثة كيانات وطائرتين وشركات طيران ذات صلة بالحرس الثوري الإيراني.
وشمل القرار، وفق المعلومات المنشورة، شركة “فلاي بغداد” العراقية وشركة تصنيع وشخصية عراقية كانت واشنطن تتهمها بإقامة صلات مع فيلق القدس التابع للحرس الثوري.
ورغم محاولة مسؤول في الخزانة الأمريكية التقليل من الدلالة السياسية للخطوة والقول إنها لا تعكس تحولاً في سياسة واشنطن تجاه إيران أو فيلق القدس، فإن توقيتها بالتزامن مع اقتراب تفاهم هرمز يعزز الاعتقاد بأنها جزء من إجراءات بناء الثقة.
وكانت واشنطن قد أبلغت طهران عبر الوسطاء، وفق ما نقلته مصادر إعلامية، بأنها قد تتخذ خطوات إضافية تشمل تخفيف العقوبات النفطية ورفع القيود البحرية في حال التوصل إلى اتفاق بشأن إدارة الملاحة في المضيق.
من جهته، قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إن واشنطن تجري “محادثات جيدة للغاية” مع إيران، معرباً عن أمله في التوصل إلى اتفاق وعدم الاضطرار إلى توجيه ضربة جديدة.
وزعم ترامب أن إيران ترغب في الاتفاق ولا تريد التعرض لضربات أمريكية، مرجحاً إعادة فتح المضيق خلال وقت قريب، في محاولة لتقديم المفاوضات باعتبارها نتيجة للتهديد العسكري.
غير أن انتقال واشنطن إلى التفاوض ورفع بعض العقوبات، بعد فشل الحرب في فرض الاستسلام على طهران، يكشف أن الضغط الإيراني في مضيق هرمز أجبر الإدارة الأمريكية على البحث عن تسوية وتقديم تنازلات أولية.
ويأتي التحرك الأمريكي في ظل استنزاف واسع تعرضت له الترسانة العسكرية الأمريكية خلال الحرب، وتزايد المخاوف من اضطراب تدفقات الطاقة وارتفاع الأسعار، إضافة إلى القلق الخليجي من تراجع قدرة منظومات الدفاع الأمريكية على حماية المنشآت والقواعد المنتشرة في المنطقة.
وتؤكد طهران أن أمن الملاحة لا يمكن فصله عن أمن إيران ووقف العدوان عليها، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع المطالبة بفتح الممر البحري مع الاستمرار في العقوبات والتهديدات والعمليات العسكرية.
وفي سياق الموقف الإيراني من الوجود الأمريكي في المنطقة، أكد رئيس لجنة الأمن القومي في مجلس الشورى الإسلامي إبراهيم عزيزي أن اليوم الذي ستُطرد فيه القوات الأمريكية من المنطقة والدول المستضيفة لقواعدها لم يعد بعيداً.
وقال عزيزي مخاطباً واشنطن إن الولايات المتحدة ستُجبر مستقبلاً على توجيه الأموال والاستثمارات التي أنفقتها على قواعدها العسكرية الخارجية إلى تأمين أمنها داخل أراضيها.
وبالتوازي مع مفاوضات المضيق، جدد الرئيس الإيراني في اتصال مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس التأكيد على أن القضية الفلسطينية ما تزال في صدارة السياسة الخارجية الإيرانية، وأن طهران لن تدخر جهداً في دعمها رغم الحرب والضغوط التي تعرضت لها.
وأكد أن فلسطين لم تغب عن اهتمام المسؤولين وصناع القرار والقيادة الإيرانية، داعياً إلى تعزيز الوحدة والتقارب بين الدول الإسلامية لمواجهة التحديات والدفاع عن مصالح الشعوب.
وتكشف التطورات أن إيران نجحت في تحويل مضيق هرمز من ورقة تهديد أمريكية إلى أداة ضغط استراتيجية تُجبر واشنطن على التفاوض وتقديم خطوات عملية في ملف العقوبات.
كما تؤكد تصريحات المسؤولين الإيرانيين أن أي اتفاق لن يعني التخلي عن السيادة أو منح القوات الأجنبية دوراً في إدارة المضيق، بل سيكرس حضور طهران باعتبارها الطرف الأساسي في تحديد مسارات العبور وضمان أمن الملاحة.
وبذلك، تقترب واشنطن من اتفاق فرضته موازين الميدان لا التهديدات، فيما تتمسك إيران بمعادلة واضحة: لا فتح دائماً لمضيق هرمز من دون وقف الإجراءات العدوانية، ولا تدخل أجنبي في إدارة الممر، ولا أمن للملاحة بمعزل عن أمن إيران وسيادتها ومصالحها الوطنية.
