ذات صلة

الأكثر مشاهدة

بعد فشل التصعيد.. السعودية تعود إلى طاولة التفاوض مع صنعاء بحثاً عن مخرج من مأزق الحرب

بدأت السعودية بإظهار مؤشرات على العودة إلى المسار السياسي...

إيران تعيد رسم قواعد هرمز.. عقوبات على السفن المخالفة ورسائل ردع في مواجهة الضغوط الأمريكية

تواصل إيران تثبيت معادلاتها في مواجهة الضغوط الأمريكية المتصاعدة،...

صنعاء تدين استهداف سجن الأسرى في الجوف ومجزرة المخا وتؤكد حق اليمن في الرد

أدانت حكومة صنعاء والجهات الحقوقية اليمنية الجرائم التي ارتكبها...

الضربة الاستباقية الكبرى.. كيف أحبطت صنعاء التحشيد السعودي ودفنت مخطط التصعيد قبل انطلاقه؟

نفذت القوات المسلحة اليمنية، في السادس من أغسطس 2026، عملية عسكرية واسعة ونوعية استهدفت تحشيدات عسكرية سعودية كبيرة في مناطق الرويك والثنية بمحافظة مأرب، والعبر والوديعة في حضرموت، إلى جانب معسكرات أخرى تابعة لما يسمى الفرقتين الأولى والثالثة في “قوات الطوارئ”.

ووفق بيان القوات المسلحة اليمنية، جاءت العملية بعد أن رصدت الأجهزة العسكرية والاستخباراتية تحشيدات سعودية بلغت مراحلها النهائية، وكانت تُعد للتصعيد ضد المحافظات الحرة والشعب اليمني، في محاولة لإجبار صنعاء على التراجع عن موقفها المطالب بإنهاء الحصار المفروض على اليمن.

وعلى الرغم من أن البيان لم يستخدم تعبير “اجتياح مناطق صنعاء” بصورة مباشرة، فإن طبيعة التحشيدات وحجم القوات والأسلحة التي نُقلت إلى مأرب وحضرموت والمناطق الحدودية تشير إلى أن الرياض كانت تستعد لفتح جبهات برية جديدة والضغط عسكرياً على مناطق سيطرة صنعاء.

وتكشف مواقع المعسكرات المستهدفة أن التحشيد السعودي كان موزعاً على محورين رئيسيين؛ الأول في الرويك والثنية شرقي مأرب، بما يتيح الدفع بقوات إضافية نحو الجبهات الشرقية، والثاني في العبر والوديعة بحضرموت، بما يوفر ممراً لإدخال القوات والأسلحة والمرتزقة من الأراضي السعودية إلى الداخل اليمني.

كما كانت السعودية قد أعادت تنظيم ما تسمى “قوات الطوارئ” بوصفها إحدى أبرز أذرعها العسكرية الجديدة، ودفعت بها إلى مناطق حساسة في مأرب وحضرموت، إلى جانب قوات “درع الوطن” ووحدات تابعة للمنطقة العسكرية الأولى وتشكيلات أخرى تدين بالولاء للرياض.

وتشير المعلومات المتداولة في التقارير السابقة إلى أن “قوات الطوارئ” تضم ست فرق ونحو 22 لواء وما يقارب 36 ألف مجند، غالبيتهم من العناصر السلفية التي أشرفت الاستخبارات السعودية على تجنيدها وتسليحها وتأطيرها.

وكانت الرياض تراهن على هذه القوات لإعادة ترتيب معسكر مرتزقتها واستبدال التشكيلات التي تراجعت فاعليتها، وإنشاء ذراع عسكرية شمالية موازية لما تسمى “درع الوطن” في المحافظات الجنوبية.

وجاءت العملية اليمنية في توقيت عسكري بالغ الدقة؛ إذ لم تنتظر صنعاء بدء الهجوم السعودي أو وصول القوات إلى خطوط المواجهة، بل تركت التحشيدات تتجمع وتنتقل إلى معسكراتها ومخازنها المحددة، ثم وجهت إليها ضربة استباقية مركزة وهي في مرحلة التجهيز النهائية.

واعتمدت القوات المسلحة في تنفيذ العملية على عدد كبير من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة، ما سمح باستهداف عدة مواقع متباعدة بصورة متزامنة، وشل القدرة على إخلاء القوات أو نقل الأسلحة والآليات من المعسكرات المستهدفة.

وأظهرت العملية مستوى متقدماً من الرصد الاستخباراتي؛ إذ تمكنت صنعاء من معرفة مواقع التحشيدات ومسارات نقلها ومخازن الأسلحة والآليات ومناطق تجمع الجنود، ثم ضربتها في الوقت الذي كانت فيه الكثافة البشرية والعسكرية في أعلى مستوياتها.

وبذلك، انتقلت القوات المسلحة اليمنية من استراتيجية انتظار العدوان والرد عليه إلى استراتيجية منع العدوان قبل وقوعه، وحرمت السعودية من عنصر المفاجأة ومن القدرة على تحديد موعد ومكان بدء التصعيد.

وأسفرت العملية، بحسب البيان العسكري، عن مصرع وإصابة المئات من مرتزقة العدو السعودي، إلى جانب تدمير وإحراق عدد كبير من المعسكرات والتحشيدات ومخازن الأسلحة في منطقة الوديعة والمواقع الشرقية المستهدفة.

كما دمرت الضربات عدداً كبيراً من الآليات العسكرية الموجودة داخل المعسكرات، ما يعني أن الخسائر لم تقتصر على العنصر البشري، بل طالت البنية اللوجستية والتسليحية التي كانت الرياض قد أعدتها لفتح جبهات جديدة.

وأفادت مصادر عسكرية وقبلية في حضرموت بأن سيارات الإسعاف والمروحيات العسكرية واصلت نقل القتلى والجرحى إلى مستشفيات سعودية في شرورة، وسط حديث عن وجود جنود وضباط سعوديين وباكستانيين وسودانيين بين الضحايا.

وتحدثت التقارير الأولية عن تجاوز الحصيلة مئة قتيل وجريح قبل أن يؤكد البيان اليمني مصرع وإصابة المئات، في وقت استمرت فيه فرق الإنقاذ في انتشال الضحايا من بين الأنقاض وهناجر الجنود التي تعرض بعضها للتدمير الكامل.

وأقرت “قوات الطوارئ” التابعة للمرتزقة بتعرض عدد من معسكراتها ووحداتها لهجمات صاروخية ومسيّرة، وبوقوع خسائر بشرية ومادية، لكنها حاولت التعتيم على الحصيلة الحقيقية وتقديم الهجوم باعتباره رداً على عمليات أمنية نفذتها ضد خلايا التهريب والجريمة.

غير أن حجم العملية واتساع رقعتها وتزامن الضربات يؤكد أن المستهدف لم يكن نشاطاً أمنياً محدوداً، بل مشروع تحشيد عسكري سعودي متكامل كان يجري إعداده للتصعيد ضد اليمن.

وعسكرياً، فقدت السعودية في العملية جزءاً مهماً من القوات التي أنفقت على إعدادها وتدريبها وتسليحها، كما تضررت قدرتها على شن هجوم سريع من المحاور الشرقية، بعد إحراق مخازن السلاح وتدمير الآليات واستهداف مراكز تجمع الجنود.

وأدت الضربة كذلك إلى تفكيك منظومة القيادة والسيطرة داخل المعسكرات المستهدفة، وخلقت حالة من الذعر وانعدام الثقة في صفوف المجندين، بعد أن اكتشفوا أن مواقعهم وتحركاتهم وتجمعاتهم تقع تحت المراقبة الدقيقة للقوات المسلحة اليمنية.

أما سياسياً، فقد بعثت العملية برسالة مباشرة إلى الرياض مفادها أن التحشيد خلف واجهات محلية أو تحت أسماء “الطوارئ” و”درع الوطن” لن يخفي الدور السعودي، وأن صنعاء ستتعامل مع هذه القوات باعتبارها أدوات عسكرية للعدوان.

وحذرت القوات المسلحة اليمنية السعودية من ارتكاب أي حماقة جديدة، مؤكدة أنها “ستتحمل عواقب أي تصعيد”، في رسالة تنقل المواجهة من مرحلة التحذير السياسي إلى الجاهزية العملياتية الكاملة.

كما خاطب البيان المغرر بهم من أبناء اليمن، ونصحهم بمغادرة معسكرات العدو السعودي والعودة إلى مناطقهم “قبل فوات الأوان”، في محاولة لفصل المجندين اليمنيين عن المشروع العسكري السعودي وتجنيبهم مصير التحشيدات المستهدفة.

وأكدت القوات المسلحة أنها على أهبة الاستعداد لمواجهة أي تصعيد، ودعت الشعب اليمني في مختلف المحافظات إلى مواصلة حالة الاستنفار والتصدي للتحركات العدوانية وضرب التحشيدات السعودية أينما وجدت.

وتكمن أهمية العملية في أنها لم تكن مجرد رد على هجوم وقع، بل إجهاض مبكر لمخطط عسكري كان يستهدف نقل المعركة إلى المحافظات الحرة وفتح مسارات ضغط جديدة على صنعاء.

كما أثبتت أن الجغرافيا الشرقية لم تعد منطقة آمنة لتحشيدات التحالف، وأن المعسكرات الممتدة من مأرب إلى حضرموت والوديعة أصبحت ضمن بنك الأهداف اليمني، مهما حاولت الرياض إبعادها عن خطوط التماس التقليدية.

وأعادت العملية رسم موازين الردع البري، بالتوازي مع العمليات البحرية التي تفرض من خلالها صنعاء معادلة “الحصار بالحصار” على المصالح والملاحة السعودية في البحر الأحمر وخليج عدن.

فبينما حاولت السعودية تشديد الحصار الاقتصادي وتحريك قواتها على الأرض، ردت صنعاء بتوسيع الضغط البحري وضرب التحشيدات البرية، في معادلة تربط أمن السعودية العسكري والاقتصادي بإنهاء الحصار عن اليمن.

وفي المحصلة، حققت العملية ثلاثة أهداف رئيسية: إفشال التحشيد السعودي قبل بدء الهجوم، وتكبيد التحالف ومرتزقته خسائر بشرية ومادية ضخمة، وترسيخ قدرة صنعاء على تنفيذ ضربات استباقية بعيدة ومركزة.

كما أظهرت أن السعودية لم تعد تملك حرية حشد القوات أو نقل المرتزقة والأسلحة في المناطق الشرقية من دون أن تواجه خطر الاستهداف، وأن أي مشروع لاجتياح المحافظات الحرة سيُضرب في مراحله الأولى قبل أن يتحول إلى تهديد ميداني.

وبذلك، انتقلت صنعاء من الدفاع عن خطوطها إلى فرض منطقة ردع واسعة تمتد من الجبهات الداخلية إلى المعسكرات الحدودية والممرات البحرية، مؤكدة أن استمرار الحصار والتحشيد سيقابله المزيد من العمليات حتى إنهاء العدوان ورفع الحصار عن الشعب اليمني.

spot_imgspot_img