لم يحمل الإعلان عن التحالف الثلاثي السعودي–التركي–الباكستاني مؤشرات على تحول عسكري كبير في المنطقة بقدر ما كشف منذ بدايته عن تباينات واضحة بين الرياض وشريكيها، وحدود صارمة وضعتها أنقرة وإسلام آباد أمام أي محاولة سعودية لتحويله إلى منصة حرب ضد اليمن وإيران والعراق.
فبينما حاولت السعودية إظهار التفاهم الجديد باعتباره إطاراً دفاعياً واسعاً في مواجهة ما تصفه بالتهديدات الإقليمية، سارعت تركيا وباكستان إلى إصدار مواقف منفصلة تقلل عملياً من الطابع العسكري للتحالف وتحصره في مجالات أكثر محدودية.
وحرصت الرئاسة التركية على تقديم التفاهم باعتباره إطاراً للتعاون في الصناعات العسكرية والقدرات الدفاعية، مع التأكيد على مواصلة الحوار والحلول الدبلوماسية وعدم الانخراط في حروب جديدة.
كما شددت أنقرة على أن التحالف الجديد لن يكون بديلاً عن التزاماتها داخل حلف الناتو ولن يستهدف أي طرف إقليمي أو دولي، بما يعكس حرصها على منع الرياض من تفسير التفاهم باعتباره تفويضاً مفتوحاً للدخول في مواجهاتها الإقليمية.
أما باكستان فذهبت إلى موقف أكثر وضوحاً، بتأكيدها أنها لن تنخرط في أي مواجهة ضد اليمن أو إيران أو العراق، واضعة بذلك خطاً أحمر مباشراً أمام توظيف التحالف في حرب سعودية جديدة.
ويكتسب ذكر اليمن وإيران والعراق بالاسم دلالة لافتة، خصوصاً أن الخطاب السعودي الذي سبق اللقاء الثلاثي حاول تسويق مزاعم عن وجود تحالف إيراني–عراقي–يمني يستهدف المملكة، قبل أن تأتي المواقف التركية والباكستانية لتسحب عملياً الطابع الهجومي من التفاهم الجديد.
وبذلك، بدت الرواية السعودية أكبر من مضمون الاتفاق نفسه؛ فالرياض حاولت تقديمه كإطار أمني وعسكري جديد، في حين تعاملت معه أنقرة وإسلام آباد باعتباره تعاوناً دفاعياً محدوداً تحكمه مصالح كل طرف ولا يعني الانخراط التلقائي في حروب السعودية.
كما تعكس هذه المواقف إدراك تركيا وباكستان لحساسية الدخول في مواجهة مفتوحة مع صنعاء أو طهران أو بغداد، وما يمكن أن تفرضه مثل هذه الخطوة من كلفة عسكرية واقتصادية وسياسية لا يرغب الطرفان في تحملها.
وتزداد محدودية التحالف مع استمرار الدور التركي والباكستاني في التحركات الدبلوماسية الجارية بين الولايات المتحدة وإيران، وهو ما يجعل الانخراط في مشروع تصعيد سعودي واسع متناقضاً مع طبيعة أدوارهما السياسية الحالية.
وفي المقابل، يبدو أن الرياض تسعى إلى استثمار علاقاتها مع أنقرة وإسلام آباد للحصول على غطاء سياسي وأمني أوسع، ومحاولة إدخال ملفات اليمن وإيران والملاحة الإقليمية ضمن الترتيبات الجارية في المنطقة.
غير أن المواقف الصادرة عن الطرفين تؤكد أن السعودية لم تحصل على تفويض مفتوح، ولا على جبهة عسكرية جاهزة لخوض حروبها، بل على إطار تحكمه حسابات متباينة ومصالح اقتصادية ودفاعية منفصلة.
ولهذا قوبل الإعلان في أوساط منتقدة للرياض بموجة من التعليقات الساخرة التي قللت من قيمته، واعتبرت أن الأمر أقرب إلى فرصة جديدة للاستفادة من المال السعودي وعقود التسليح والاستثمارات منه إلى تحالف قادر على تغيير موازين المنطقة.
وذهب بعض المعلقين إلى وصفه ساخراً بأنه محاولة جديدة للاشتراك في “حلب السعودي”، في إشارة إلى أن المستفيد الأكبر بالنسبة لتركيا وباكستان قد يكون التمويل والعقود الدفاعية، بينما تبقى التزامات الحرب الفعلية خارج حساباتهما.
وتكتسب هذه القراءة زخماً مع احتياجات البلدين الاقتصادية، وما يمكن أن توفره الأموال السعودية من استثمارات وتمويل للصناعات الدفاعية والمشاريع المشتركة، وهو ما يجعل البعد المالي والاقتصادي أكثر وضوحاً من البعد العسكري المباشر.
كما أن إصدار بيانات منفصلة من أنقرة وإسلام آباد، ووضعهما خطوطاً حمراء واضحة، يكشف أن التحالف ليس كتلة موحدة كما تحاول الرياض تصويره، بل تفاهم مرن يحتفظ فيه كل طرف بحساباته الخاصة.
