تكشف المواقف الإيرانية الأخيرة عن اتجاه واضح نحو تعزيز التماسك الداخلي ورفع مستوى الردع الإقليمي، في وقت تتزايد فيه الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران، ويستمر التوتر المرتبط بمضيق هرمز والمواجهة مع الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
وفي هذا السياق، كشف الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان عن عقد اجتماع مطول مع المرشد الأعلى مجتبى خامنئي استمر نحو سبع ساعات، واصفاً اللقاء بأنه “إيجابي للغاية”، ومؤكداً أنه تناول بصورة موسعة أبرز الملفات التي تواجه البلاد، وفي مقدمتها العقوبات والصمود والوحدة الداخلية.
وأوضح بزشكيان أن المرشد الأعلى شدد على ضرورة الحفاظ على الانسجام بين مؤسسات الدولة والقوى السياسية والعسكرية، في ظل ما وصفه بمحاولات الأعداء إثارة الانقسامات واستغلال التباينات الداخلية.
وأكد الرئيس الإيراني أن الحكومة والقوات المسلحة والجهاز الدبلوماسي يتحركون ضمن نهج واحد، نافياً وجود أي خلاف بشأن الحرب أو المفاوضات أو إدارة الملفات الاستراتيجية.
وقال بزشكيان إن خصوم إيران كانوا يراهنون على دفع البلاد نحو المجاعة والانهيار الاجتماعي، إلا أن هذه الحسابات فشلت، مؤكداً أن طهران ستواصل مواجهة الضغوط بالوحدة والقوة والتماسك.
وأضاف أن نهج قائد إيران الشهيد سيستمر، وأن المرحلة المقبلة تتطلب الحفاظ على وحدة الجبهة الداخلية ورفض محاولات تفكيك الدولة من الداخل بالتوازي مع المواجهة الخارجية.
وعلى المستوى الإقليمي، أكد المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن السياسات التوسعية للكيان الصهيوني أصبحت واضحة ومكشوفة، مشدداً على أن أمن المنطقة لا يمكن أن يبقى مرهوناً بالولايات المتحدة أو القوى الخارجية.
ورأى بقائي أن اتفاق مكة جاء نتيجة إدراك متزايد لدى دول المنطقة بأن تحقيق الأمن عبر الولايات المتحدة لم يعد ممكناً، داعياً الدول الإقليمية إلى تعزيز علاقاتها وثقتها المتبادلة وبناء منظومة أمنية بعيدة عن التدخل الخارجي.
وشدد على ضرورة ألا تتحول أراضي دول المنطقة إلى منطلق لأي عدوان ضد إيران، في رسالة مباشرة إلى الدول التي تستضيف قواعد أو قوات أمريكية وغربية.
وفي ملف مضيق هرمز، رفع بقائي سقف الموقف الإيراني، مؤكداً أن فتح المضيق مرتبط بالظروف وشروط إيران، وأنه ما دامت الحرب قائمة فلن تسمح طهران بالعبور من المضيق.
وأوضح أن الأولوية الإيرانية في المرحلة الراهنة تتركز على مضيق هرمز وليس على استئناف مسار المفاوضات مع الولايات المتحدة، مشيراً إلى أن المحادثات الجارية مع سلطنة عُمان تبحث تحديد مسار الملاحة وآليات الحركة البحرية داخل المضيق.
ويعكس هذا الموقف إصرار طهران على إبقاء هرمز ورقة ضغط مركزية، وعدم التعامل معه كملف منفصل عن الحرب والعقوبات والوجود العسكري الأمريكي في المنطقة.
وفي السياق ذاته، أكد المتحدث باسم حرس الثورة العميد حسين محبي أن الولايات المتحدة دأبت خلال حروب سابقة على محاولة منع انتقال أضرار الحرب وتكاليفها إلى أراضيها ومصالحها، غير أن الحرب الأخيرة شهدت انتقال جزء من هذه الكلفة إلى الطرف المقابل.
وأشار محبي إلى أن التهديدات المرتبطة بمضيق هرمز لا تمثل قضية إقليمية فقط، نظراً لأن جزءاً كبيراً من الطاقة العالمية يمر عبره، ما يجعل أي تصعيد في المضيق ذا تأثير عالمي مباشر.
كما أكد أن الصواريخ الإيرانية تمتلك قدرات توجيه متطورة، وبعضها قادر على تغيير مساره خلال الطيران في مواجهة منظومات الدفاع الجوي للعدو، في إشارة إلى تطور القدرات الصاروخية الإيرانية وقدرتها على اختراق الدفاعات المعادية.
وتتكامل هذه التصريحات مع الموقف السياسي الذي عبّر عنه بزشكيان خلال اجتماعه مع المرشد الأعلى، إذ تؤكد طهران أن مواجهة المرحلة الحالية تقوم على ثلاثة مسارات متوازية: تحصين الداخل، إبقاء مضيق هرمز ورقة ضغط، وتطوير أدوات الردع العسكري والصاروخي.
كما تعكس المواقف الإيرانية رفضاً واضحاً لإعادة إنتاج معادلة إقليمية تكون فيها الولايات المتحدة الضامن الأمني الأول، مقابل توجه متزايد نحو بناء ترتيبات إقليمية تعتمد على دول المنطقة نفسها.
