لم تكن ما تُسمى بـ “الشرعية في اليمن” بالنسبة للرياض، منذ اللحظات الأولى لعدوانها على شعبنا اليمني، سوى غطاء سياسي ومظلة إعلامية ارتدتها بعناية للتنصل من التبعات القانونية والدولية.
فكانت الخطة السعودية مبنية على معادلة مزدوجة الأهداف؛ فلو حقق تحالف العدوان أجندته الميدانية لخرجت الرياض سريعاً من تحت عباءة “الشرعية” لتخلع ذلك “الكوت” المستعار، وتعتلي منصات التتويج منفردة بصفتها صانعة النصر، دافعة أدواتها إلى الخلف.
أما اليوم، ومع انقلاب المعادلة الميدانية وترسيخ صنعاء لمعادلة الردع الاستراتيجي، لجأت الرياض إلى الشق الثاني من استراتيجيتها: التخفي خلف شماعة “فشل الأدوات” وإلقاء التبعة كاملةً على المجلس الرئاسي وحكومته الموالية لها.
وتأتي الاتهامات السعودية الأخيرة الموجهة لرشاد العليمي وحكومته -والتي طفت على السطح عبر تسريبات وتدوينات قيادات وشخصيات مرتبطة بـ “اللجنة الخاصة”- لتكشف عن حالة المأزق الشديد الذي تعيشه غرفة القرار في الرياض.
فعلى مدى سنوات من الدعم المالي والعسكري والسخاء المالي الموجه لفصائل ومكونات ما يُسمى بـ “الشرعية”، كان الحصاد الميداني صفرياً؛ حيث عجزت هذه القوات عن إحداث أي تغيير في خارطة السيطرة، أو حتى تشكيل خط دفاع يقي العمق السعودي تبعات التصعيد.
إن تحول الخطاب السعودي من الدعم إلى التخوين، ووصف المجلس الرئاسي والحكومة الموالية بـ “الفاشلين الخونة”، هو انعكاس مباشر لمعطيات الميدان التي فرضتها القوات المسلحة في صنعاء عبر عمليات الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة، والتي باتت تضرب أهدافها الحيوية بدقة وتصل إلى العمق السعودي دون أن تفلح كل منظومات الدفاع أو التشكيلات الميدانية في الحد منها.
وتُظهر قراءة السلوك السياسي والإعلامي للنظام السعودي أنه يسعى حالياً لبناء سردية متكاملة تُحَمِّل “الشرعية” مسؤولية الفشل العسكري والسقوط الميداني، وذلك عبر خطوات متدرجة، تبدأ بصناعة الشماعة، وتحميل ما تُسمى بـ “حكومة عدن” ومجلس العليمي المسؤولية المباشرة عن ضياع التمويل والعتاد العسكري دون تحقيق أي مكاسب ميدانية.
ثم تليها خطوة تبرير الخسائر أمام الشارع الداخلي، عبر إظهار المملكة بمظهر “الضحية” التي تعرضت للخديعة والتفريط من قبل حلفائها، لتفسير استمرار الهجمات وانعكاساتها الاقتصادية والأمنية على منشآتها ومدنها الجنوبية.
وبناءً على مبرر منطقي وفق القراءة السعودية، يُسمح للرياض بالتنصل من التزاماتها تجاه هذه الأطراف، وإيجاد مخرج يتيح لها المضي في ترتيبات تسوية أو انسحاب مع تحميل الأدوات فاتورة الهزيمة كاملة.
ولجوء أجهزة الاستخبارات السعودية اليوم لإيقاف بعض الحسابات المنادية بهذا الخطاب فور انتشار تدويناتها، لا ينفي الحقيقة الماثلة على الأرض، ويعكس حجم الحرج والتخبط بين الرغبة في إشهار ورقة اللوم على الأدوات، وبين الخوف من إظهار مدى الانكشاف والأزمة الداخلية التي يعيشها تحالف السعودية في اليمن.
وتثبت المعطيات الميدانية، اليوم، أن “كوت الشرعية” الذي استخدمته الرياض طوال سنوات لم يعد صالحاً للاستعمال، وأن محاولة البحث عن كبش فداء داخل الفنادق والمقرات المستأجرة لن تغير من الواقع شيئاً؛ فالرياض باتت تدرك أن معادلة التوازن حُسمت في الميدان، وأن أدواتها المستهلكة لم تعد قادرة على منحها النصر الموهوم، ولا حتى حمايتها من كلفة الفشل.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
