ذات صلة

الأكثر مشاهدة

تحدّي وأنتظر الجواب..

1- أنا أتحدّى أيّ واحد من داخل اليمن أو...

سيد الكلمة والموقف في تاريخ الأمة

​في محطات التاريخ الكبرى، يبرز رجال استثنائيون لا تُقاس...

نصرُ اللهِ.. وما أبهاكَ من جبلِ

ليس النصرُ في منطقِ القرآنِ مجردَ تفوقٍ عسكريٍ أو كثرةِ عدد، بل هو معادلةٌ دقيقةٌ بين وعدٍ إلهيٍ وسننٍ كونيةٍ لا تُحابي أحداً. ﴿إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾، نصرُ اللهِ لعبادِه ليس هبةً مجانيةً، وإنما هو مرتبطٌ بشرطٍ واضح: أن ننصرَ اللهَ في أنفسِنا، في مبادئِنا، في إقامةِ العدلِ، وفي الثباتِ على الحق.

والتاريخُ يُعلّمُنا أن النصرَ الحقيقيَ يمرُّ بثلاثِ مراحل:

أولاً: نصرُ المبدأِ بأن لا تبيعَ قضيتَك مهما كان الثمن.

ثانياً: نصرُ الإرادةِ بالصبرِ والاستعدادِ والعملِ الدؤوب.

ثالثاً: نصرُ الميدانِ وهو النتيجةُ الطبيعيةُ لما قبلَه.

كم من فئةٍ قليلةٍ انتصرتْ لأنها حملتْ قضيةً عادلة، وكم من جموعٍ كثيرةٍ هُزمتْ لأنها فقدتْ بوصلتَها الأخلاقية.

إن أمتَنا اليومَ لا تحتاجُ إلى خطاباتٍ تبالغُ في تمجيدِ الأشخاص، بل تحتاجُ إلى فهمٍ عميقٍ لسننِ النصر: وحدةُ الصف، وإتقانُ العمل، وصدقُ التوكل، والأخذُ بالأسبابِ كأنها كلُ شيء، ثم التوكلُ على اللهِ كأن الأسبابَ لا شيء.

إن نصرَ اللهِ آتٍ لا محالة، لكنه لن يأتي لمن ينتظرُه على الأرائك، بل لمن يصنعُه في ميادينِ العلمِ والعملِ والأخلاق، رحلَ سيدُ المقاومةِ العملاقُ فلم يرحلْ رجلٌ واحد، بل رحلَ جبلٌ واقفٌ في وجهِ العاصفة، وسيفٌ لا يَغِلُّ في يدِ الحق، وصوتٌ لا يَخفتُ وإن خَفَتَتْ حولَه الأصوات. رحلَ مَن علّمَ الياسمينَ أن يقاومَ، والزيتونَ أن يصمدَ، والحجرَ أن يتكلم. رحلَ مَن جعلَ من الحطامِ منابرَ، ومن الرمادِ وقوداً، ومن الجرحِ شعاراً لا يُطوى.

هو مَن قالوا عنه: ابنُ الجنوب، وسيدُ المقاومة، وأميرُ الكلمةِ حينَ تَثقلُ الكلمات. عاشَ بينَ بردِ الجبالِ وحرِّ الرصاص، فما اشتكى برداً ولا خافَ حرّاً، ولا نطقَ لسانُه إلا بما آمنَ به قلبُه، ولا سارَ قلبُه إلا حيثُ سارتْ به عقيدتُه. فكيفَ نودّعُ مَن لم يكنْ في يومٍ من الأيامِ قابلاً للوداع؟ وها هي الدموعُ تعبّدُ الطريقَ إلى القدس.

تسلّمَ الرايةَ وقد كانت جمرةً تُقبض، فأمسكَها بيدٍ لا ترتجف، وقلبٍ لا يرتعش، وصدرٍ لا يضيق. سارَ في دربٍ موحشٍ جعلَ من الشوكِ مهداً، ومن العتمةِ بصيصاً لا يخبو.

تولّى القيادةَ والقضيةُ في أولِ الطريق، والعدوُّ يمتلكُ النارَ والحديد، والقاصي والداني يشكّكُ في النصر. لكنه علّمَ الجميعَ درساً واحداً: أن الحقَّ لا يُهزمُ وإن قلَّ حاملُه، والباطلَ لا يَغلبُ وإن كثُرَ جندُه.

وفي الحربِ.. نيرانٌ لا تُرضي العدوَّ ولا تُسلّي الصديق، وقفَ كالطودِ لا يهتزّ، ولا يهنُ ولا ينحني.

في حربِ الاثنين والثلاثين يوماً، كان يخاطبُ العالمَ بكلماتٍ أصدقَ من كلِّ البيانات، وأوقعَ في القلوبِ من كلِّ القذائف. تكلّمَ فأسمع، وأسمعَ فأدهش، وأدهشَ فأخاف، وأخافَ فأرعب. رفعَ رأسَ الأمةِ وقد كان رأسُها مطأطأً.

وهل تُطفأُ الشمسُ لأن غيمةً حجبتْها ساعة؟ هنا.. جاءتِ الطائراتُ تحملُ الحقدَ وثمانونَ وثلاثةُ قنابلَ. ضربوا الأرضَ، فتفجّرَ الترابُ، فتفتّحَ الدمُ، فتبسّمَ الشهيدُ، فالنارُ لا تحرقُ الشجرَ إذا كانَ الجذرُ راسخاً، والسيفُ لا يقطعُ الصوتَ إذا كانَ الحقُّ ممتطيَه، ومن زرعَ في الأرضِ حبةً، هل يقالُ عنه إنه أخفى زرعاً؟ أم يقالُ إنه أعدَّ حصاداً؟!

سنحملُ ما حملتَ، وسنكملُ ما بدأتَ، وسنقاومُ ما قاومتَ، ولك عهدُنا بذلك وميثاقُنا الأكيد.

زالت جبالٌ، ولكن أنت لم تزلِ

هم أهل خيبر قد عادوا وأنت “عليْ”!

تفجّر الصخر من حقدٍ، فكيف إذًا

سبعون طنا وقد صُبَّت على رجلِ؟؟!

فما أشدّ رجال الله إذ حملوا

ثقل الجبال، وما أبهاك من جبلِ..

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

خلود الشرفي

spot_imgspot_img