في خطابٍ اتكأ على رمزية ذكرى غزوة بدر الكبرى – يوم الفرقان، وقرأ المشهد من زاوية “الاشتباك الوجودي” بين الأمة وطغاة العصر، قدّم قائد أنصار الله السيد عبدالملك الحوثي، اليوم الخميس، 16 رمضان، رواية سياسية–عسكرية متماسكة لما يجري في المنطقة، مؤكدًا أن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران لم تُنتج ما أراده المعتدون من اهتزاز داخلي أو انهيارٍ في القرار، بل أظهرت صلابة الدولة والشعب والمؤسسة العسكرية في الجمهورية الإسلامية، واتساع دائرة الفعل المقاوم في أكثر من ساحة، مقابل ارتباكٍ واضح في صفوف القوات الأمريكية وحلفائها.
ومن قلب المعركة، شدد السيد الحوثي على أن “موقف الجمهورية الإسلامية في إيران قوي جدًا رسميًا وشعبيًا”، وأن ما يقوم به الحرس الثوري والجيش الإيراني هو “دور فعال جدًا.. وهم ينكّلون بالأعداء”، معتبرًا أن الوقائع الميدانية تكشف فشل الرهان على كسر الإرادة الإيرانية أو فرض شروطٍ سياسية عبر النار. وفي المقابل، أشار إلى مظاهر ذعر في الجانب الأمريكي، قائلًا إن “الأمريكيين هربوا إلى الفنادق من القواعد العسكرية.. وبعضهم يغادرون المنطقة كلها وهم في حالة ذعر ورعب”، في توصيفٍ يذهب إلى أن القواعد لم تعد “مناطق طمأنينة” للوجود الأمريكي، بل نقاط استنزافٍ مفتوحة تحت الضغط.
وبالتوازي، وضع السيد الحوثي عمليات الاستهداف باتجاه العمق المحتل في خانة الفعل المؤثر، مؤكدًا أن “العمليات في استهداف العدو الإسرائيلي عمليات قوية وفعّالة”، ومضيفًا أن ما يقدمه حزب الله في لبنان جاء كتحول ميداني أربك حسابات الاحتلال: “تحرك قوي فاجأ الأعداء الذين ظنوا أنهم قد أوصلوه إلى نقطة الصفر فإذا هو ينفّذ عملياته بفاعلية وقوة وعنفوان”، مع تثبيت شرعية هذا المسار بوضوح: “حزب الله له الحق المشروع.. لأن العدو الإسرائيلي لم يتوقف أبدًا عن اعتداءاته على لبنان”. كما أشار إلى أن الساحة العراقية حاضرة بقوة، معتبرًا أن “موقف الإخوة المجاهدين في العراق قوي جدًا وعملياتهم مستمرة في الليل والنهار”.
وفي ما يخص اليمن، أعاد السيد الحوثي تثبيت التموضع السياسي والعسكري لصنعاء داخل معادلة الإسناد، مؤكدًا “وقوفنا إلى جانب الجمهورية الإسلامية في إيران والشعب الإيراني المسلم”، وأن قرار التصعيد ليس شعارًا بل جاهزية فعلية: “أيدينا على الزناد في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك”. وهنا قدّم خلاصة حاكمة لقراءة الصراع، بوصفه ليس مواجهة حدود أو مصالح عابرة، بل “معركة الأمة كلها”، وأن العدو الصهيوني – “بكل أذرعه” – يسعى لفرض “معادلة الاستباحة” على شعوب المنطقة: حربٌ مفتوحة بلا ضوابط، تستهدف الأحرار أينما كانوا، وتريد للأمة أن تبقى مكبلة لا تفعل شيئًا بينما “يده مطلقة” في القتل والنهب وتدمير المجتمعات.
ومن داخل هذه الفكرة، وسّع السيد الحوثي دائرة الاتهام السياسي إلى مناخ عربي رسمي وصفه بالتخاذل، بل وبالتحول إلى أدوات حماية للوجود الأمريكي–الإسرائيلي، معتبرًا أن بعض الأنظمة لا تكتفي بالصمت، بل “تجعل من نفسها مترسًا” في عمليات الاعتراض للصواريخ والمسيّرات، وأن “عدة أنظمة وحكومات كل همها وشغلها… حماية القواعد الأمريكية” التي شاركت – بصورة مباشرة – في العدوان على إيران، ثم تذهب إلى وصف الرد الإيراني على القواعد الأمريكية بأنه “اعتداء على بلدانهم”.
وبحسب خطابه، فإن هذا الانحراف لا يقف عند حدود الدفاع السياسي والإعلامي، بل يصل إلى محاولة جرّ بعض العواصم إلى مستوى المشاركة العلنية، حيث تحدث عن “سعي حثيث… للوصول ببعض الأنظمة العربية إلى مستوى أن يكونوا جنودًا صغارًا للمجرم نتنياهو”، محذرًا أن أي نظام يتورط في ذلك يدخل “الخيانة الكبرى” ويجمع بين الخسارة والعار والفضيحة.
وعلى مستوى المنطق الاستراتيجي، قدّم السيد الحوثي توصيفًا لمعادلة “التحضير” التي يعتمدها العدو، قائلًا إن الاحتلال بعد غزة ركّز على تأمين التمويل من “تريليونات العرب” وتعبئة مخازن السلاح، وانتظار اكتمال بنك الأهداف، ثم اختيار التوقيت المناسب لشن عدوانه. وبناء على ذلك، دعا إلى كسر قواعد اللعبة وعدم القبول بأن تكون الحرب في اتجاه واحد، مؤكدًا أن العدو طالما يخوض حربًا مفتوحة على الأمة، فيجب معاملته على هذا الأساس، ورفض بوضوح أوهام الاتكاء على المؤسسات الدولية بوصفها رادعًا، مشددًا أن خيارات الدبلوماسية والأمم المتحدة “جُرّبت كثيرًا دون جدوى”، وأن الاستكانة مع “شطب الجهاد” لا تُحق حقًا ولا تُبطل باطلًا أمام هجمة أهدافها “شيطانية”.
وفي ذروة البعد التعبوي للخطاب، ربط السيد الحوثي الحاضر بالموروث القرآني والتاريخي، معتبرًا أن تزامن ذكرى بدر هذا العام مع الأحداث الجارية يقدّم للأمة محطة إلهامٍ ضرورية في مواجهة “طغاة العصر”، داعيًا إلى اليقين بزوال الكيان وفق الوعد الإلهي: “وإن عدتم عدنا”، ومؤكدًا أن المواجهة الراهنة هي “مواجهة بين إسلام وكفر وحق وباطل.. ومعتدين ومظلومين”، وأن محاولات “التشويش والتلبيس” التي يمارسها المنافقون تهدف إلى تثبيط الشعوب وتصوير الصراع كصراع كيانات لا تعني الأمة، بينما الحقيقة – أن “التوجه الأمريكي أساسًا هو لتحقيق الأهداف الصهيونية”، وأن العدوان بدأ بـ “عدوان غادر ظالم” بلا حق، وأن جريمة اغتيال مرشد الثورة الإسلامية السيد علي الخامنئي ومحاولات إسقاط النظام الإسلامي “محاولات فاشلة وستفشل بإذن الله”.
وختم السيد الحوثي بإطلاق نداءٍ جماهيري مباشر يرفع سقف الحشد الشعبي والسياسي في اليمن، داعيًا إلى الخروج المليوني يوم الجمعة 17 رمضان في صنعاء وبقية المحافظات، لإحياء ذكرى يوم الفرقان، وتأكيد الثبات على “الموقف الإسلامي في الجهاد”، وإعلان الوقوف الكامل مع إيران ولبنان وفلسطين، وإبراز الجهوزية لأي تطورات، معتبرًا أن “الخروج المليوني جزء من جهادنا وواجبنا الإسلامي.. ورسالة مهمة في توقيت مهم”، وأن المطلوب أن يكون هذا الحضور “عظيمًا” بحجم اللحظة والتهديد.
