منذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران برز اسم السيد علي الخامنئي كركن بارز في بناء نموذج الجمهورية الإسلامية التي أسسها الإمام الخميني، ومساعد مقرّب موثوق للإمام. وقد لعب دوراً محورياً في صياغة الخطاب السياسي للثورة والجمهورية عندما تولّى مهمة إمام جمعة طهران، حيث تحوّل من مجرد خطيب إلى أحد أبرز صانعي الرؤية السياسية للثورة في مراحلها الأولى.
كما ساهم في بناء الهيكلية العسكرية للجمهورية الإسلامية من خلال دوره كممثل للإمام في المجلس الأعلى للدفاع طوال فترة الحرب العراقية على إيران، وهو الدور الذي وضعه في قلب صناعة القرار الأمني والعسكري في البلاد.
وبعد انتهاء تلك المرحلة، تولّى رئاسة الجمهورية وساهم في تثبيت ركائز مؤسسات الدولة وإدارة شؤونها في مرحلة حساسة من تاريخها، قبل أن يصبح مرشداً للثورة والجمهورية كخليفة للإمام الخميني. ومن موقعه هذا، لعب دور الراعي الاستراتيجي لخط المقاومة في المنطقة، مستنداً إلى معادلة تقوم على تحرير المنطقة من الهيمنة الأميركية ورفع شأن القضية الفلسطينية لتكون في المرتبة الأولى من اهتمامات شعوب المنطقة ونخبها.
دور المقاومة وبروز قيادة السيد حسن نصرالله
في قلب هذا المشروع الذي بشّر به الإمام الخامنئي، والذي وضعت إيران قدراتها العسكرية والتقنية والمالية في خدمته تحت عنوان المقاومة، برز السيد حسن نصرالله كقائد عربي يتمتع بكاريزما استثنائية ومؤهلات قيادية تاريخية في حركات المقاومة. وقد جاء حضوره في سياق مواجهة المشروع الصهيوني الذي يحتل فلسطين ويهجّر شعبها ويتخذها قاعدة للهيمنة على المنطقة بدعم أميركي غير محدود، باعتباره ركناً أساسياً من المشروع الأميركي العالمي.
وخلال قيادته، تحققت إنجازات مفصلية كان أبرزها تحرير لبنان من الاحتلال الإسرائيلي من دون تفاوض ومن دون قيد أو شرط، في سابقة تاريخية تعدّ الأولى من نوعها في العالم العربي.
كما أسهم في بناء قدرة ردع حقيقية منحت لبنان حماية دفاعية لم تتحقق في أي بلد عربي آخر، واستمرّت هذه المعادلة نحو سبعة عشر عاماً، كانت خلالها “إسرائيل” تحسب ألف حساب لأي خطوة عسكرية أو أمنية يمكن أن تكسر توازن الردع الذي فرضته المقاومة.
طوفان الأقصى والتحولات الكبرى في المنطقة والعالم
شكّل طوفان الأقصى لحظة تاريخية فاصلة على صعيد المنطقة والعالم، إذ ترتبت على الحرب الأميركية الإسرائيلية الشاملة على قوى المقاومة وإيران مجموعة واسعة من النتائج التي كشفت حقائق عميقة وأحدثت تحولات كبرى في المشهدين الإقليمي والدولي.
فمن جهة، ظهر أن حجم التفاعل مع القضية الفلسطينية على المستوى العربي والإسلامي قد تراجع كثيراً عما كان عليه قبل عقدين خلال انتفاضة الأقصى، حيث نجحت التعبئة والتموضعات المذهبية في نقل هذا الاهتمام من حالة الانخراط الفعلي إلى مجرد تعاطف صامت في كثير من المجتمعات.
وفي سياق التحولات ذاتها، برز إسقاط النظام في سورية لصالح بديل منفتح على حماية أمن “إسرائيل” والتخلي عن القضية الفلسطينية والانخراط في منظومة التبعية للسياسات الأميركية، بوصفه هدفاً سياسياً متقدماً وقضية جاذبة استطاعت استقطاب غالبية شعبية وازنة.
وفي المقابل، حدث في العالم وخصوصاً في الغرب ما يشبه الزلزال المعاكس، إذ خسرت “إسرائيل” ومعها السياسات الأميركية تعاطف الشارع الغربي، وبرز شارع غربي ناشط يعيد طرح السؤال حول شرعية وجود “إسرائيل”.
ومن جهة ثالثة، أظهرت قوى المقاومة التي دفعت أثماناً باهظة لوقوفها في وجه الحرب الأميركية الإسرائيلية مستويات عالية من البسالة والشجاعة، وقدرة على الحفاظ على وجود دفاعي يعطل تقدم المشروع الأميركي الإسرائيلي، الأمر الذي جعل المعركة مع إيران تبدو بوصفها المعركة الفاصلة في صراع الهيمنة الأميركية الإسرائيلية.
الاغتيالات وتداعياتها الاستراتيجية
بمثل ما كان اغتيال السيد حسن نصرالله ذروة الهجوم على قوى المقاومة، جاء اغتيال الإمام الخامنئي ليشكّل ذروة الهجوم على إيران. وكما نجحت المقاومة في لبنان في إفشال الحلقة الأخطر في الحرب الأميركية الإسرائيلية بعد اغتيال نصرالله، والمتمثلة في محاولة الاجتياح البري لجنوب لبنان رغم حرب الستين يوماً المتواصلة، تبدو إيران بدورها جاهزة لفعل المثل وربما أكثر.
غير أن الفارق بين الاغتيالين يحمل دلالات محورية، إذ نجح المشروع الأميركي الإسرائيلي في تحويل اغتيال نصرالله إلى نقطة تحوّل لإنتاج معادلة سياسية جديدة للحكم في لبنان، جاءت على خلفية إدانة حرب الإسناد التي خاضتها المقاومة لأجل فلسطين. أما اغتيال الخامنئي فيأتي في سياق مختلف، حيث كانت إيران تستعد لحل دبلوماسي لملفها النووي، ما يجعل الحدث محفزاً لتوحّد الإيرانيين حول هدف الانتقام لدم القائد الذي بنى دولتهم الحديثة المستقلة.
مستقبل الصراع ومعادلات القوة
مدى صحة استنساخ الاغتيال في الخطة الأميركية والرهان على مفعول مماثل في الحالتين سوف يكون نقطة الفصل في رسم مستقبل المنطقة والحرب الأميركية الإسرائيلية، وربما أيضاً مصير الحكم في واشنطن وتل أبيب.
فالمشهد يقف بين فرضيتين أساسيتين: إما تداعيات تنتهي بتصدع الحكم والقيادة في إيران، أو تداعيات تنتهي بفشل الحرب الأميركية الإسرائيلية بما يقود إلى تصدّع الحكم في كل من واشنطن وتل أبيب.
ويظل المعيار الحاسم في هذا السياق هو مدى قدرة إيران، رغم الحرب والضربات، على مواصلة إطلاق الصواريخ كماً ونوعاً بصورة لا تستطيع الولايات المتحدة و”إسرائيل” مجاراتها، سواء من حيث المخزون الهجومي الإيراني مقابل المخزون الدفاعي الأميركي الإسرائيلي، أو من حيث القدرة على تحمّل أمد الحرب الطويل، وكذلك القدرة على استيعاب التداعيات التي قد تنعكس على الاقتصادين الإقليمي والعالمي. ويبقى السؤال المفتوح: هل سينجح الخامنئي ونصرالله في مواصلة كتابة تاريخ المنطقة، أم ستنجح واشنطن وتل أبيب في طي صفحة نصف قرن من المقاومة وإدخال المنطقة في زمن العبودية والاستتباع؟
__
ناصر قنديل
