واصلت سلطات الاحتلال الإسرائيلي، لليوم السادس عشر على التوالي، إغلاق المسجد الأقصى المبارك ومنع الصلاة فيه، بالتزامن مع ليلة السابع والعشرين من رمضان، في واحدة من أكثر الليالي قداسة لدى المسلمين، بينما حوّلت البلدة القديمة ومحيط المسجد إلى ثكنة عسكرية مغلقة تحت حصار أمني مشدد.
وأكدت محافظة القدس أن قوات الاحتلال نشرت مئات الجنود في محيط البلدة القديمة، وأغلقت أبوابها ومداخلها، ومنعت وصول المصلين إلى المسجد الأقصى، ما اضطر مئات المقدسيين إلى أداء صلاتي العشاء والتراويح في باب الساهرة وباب العمود وفي الشوارع المحيطة، وسط انتشار كثيف للقوات الإسرائيلية وإجراءات قمعية مشددة.
وجاء هذا التصعيد بالتزامن مع دعوات شعبية عبر مواقع التواصل لكسر الحصار المفروض على المسجد الأقصى، وإحياء ليلة القدر في رحابه أو في أقرب نقطة يمكن الوصول إليها، في ظل استمرار الإغلاق الذي تفرضه سلطات الاحتلال منذ 28 فبراير بذريعة ما تسميه حالة الطوارئ ومنع التجمعات، بالتزامن مع العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران.
وفي وقت اعتاد فيه الفلسطينيون إحياء ليلة 27 رمضان بالاعتكاف والصلاة والدعاء وقراءة القرآن حتى الفجر في المسجد الأقصى، بدا المشهد هذا العام مختلفاً وقاسياً؛ إذ غابت خيام الاعتكاف وامتلأت الساحات المحيطة بالحواجز والجنود بدل المصلين، بعدما كان الأقصى قد استقبل في العام الماضي نحو 180 ألف مصلٍّ في الليلة نفسها.
وأشار مركز معلومات وادي حلوة إلى أن قوات الاحتلال كثفت من نشر الحواجز في البلدة القديمة، وأوقفت الوافدين، ومنعت دخول المقدسيين من غير سكان المنطقة، ما أدى أيضاً إلى شلل اقتصادي واسع داخل أسواق البلدة القديمة التي بدت شبه خالية، فيما أُغلقت معظم المتاجر في موسم يعد من أهم المواسم التجارية المقدسية.
وعلى المستوى الرسمي، أدانت جامعة الدول العربية بأشد العبارات استمرار إغلاق أبواب المسجد الأقصى، ومنع إقامة الصلاة والشعائر الدينية فيه، خاصة خلال شهر رمضان والعشر الأواخر، واعتبرت ذلك انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي والقانون الدولي الإنساني، واعتداءً مباشراً على الوضع القانوني والتاريخي القائم في المسجد الأقصى المبارك، إلى جانب كونه استفزازاً لمشاعر المسلمين وتقويضاً لحرية العبادة.
وفي الشق الإنساني، عبّر مقدسيون عن ألم بالغ وقهر عميق جراء حرمانهم من الاعتكاف وإحياء ليلة القدر داخل الأقصى. وروت الشابة المقدسية شيماء عبد كيف تحوّل الاعتكاف في الأقصى خلال السنوات الماضية إلى جزء من روحها وحياتها الرمضانية، قبل أن تجد نفسها هذا العام خلف الأبواب المغلقة، تراقب الغياب القسري للمكان الذي اعتادت أن تجد فيه السكينة والطمأنينة.
أما المقدسية تيماء أبو ليلى، فوصفت ما جرى بأنه انقطاع قهري عن عبادة ارتبطت في وعيها بالأقصى وحده، مؤكدة أن الاعتكاف في رحابه لم يكن مجرد طقس سنوي، بل مساحة روحانية استثنائية فقدها المقدسيون هذا العام تحت وقع الإغلاق والقمع والتضييق.
وفي مشهد لا يقل وجعاً، قال المقدسي زهدي عليان، الذي يواظب على الاعتكاف في الأقصى منذ أكثر من عقدين، إن إغلاق المسجد في ليلة القدر بدا بالنسبة إليه كفاجعة شخصية، مضيفاً أن المقدسيين يقفون يومياً قبالة الأقصى، ينظرون إليه من بعيد ويبكون حرقة على أبوابه المغلقة.
هكذا مرّت ليلة القدر هذا العام في القدس بلا اعتكاف، بلا خيام، بلا أمواج بشرية كانت تملأ الساحات والمصليات، وبلا ذلك المشهد الإيماني الذي طالما جعل الأقصى قلب رمضان وروحه. وبدلاً من أصوات الدعاء والقرآن والسحور قبيل الفجر، ارتفع صوت الحواجز والجنود والإغلاق، في صورة تلخص حجم العدوان على القدس ومقدساتها، وتكشف كيف يواصل الاحتلال استهداف الهوية الدينية والوطنية للمدينة في أكثر اللحظات حساسية وقداسة.
