في اليوم السابع عشر من الحرب، دخلت المواجهة مرحلة أكثر حساسية، بعدما تحولت أزمة مضيق هرمز إلى ورطة استراتيجية كبرى لواشنطن. فبينما حاول دونالد ترامب دفع حلفائه وشركائه لإرسال سفن حربية إلى المضيق وتأمين عبء الحرب الذي أشعلته واشنطن وتل أبيب، جاءت الردود الدولية باردة أو رافضة. ألمانيا رفضت الانخراط العسكري وأكدت أن الحرب على إيران لا تدخل ضمن التزامات الناتو، كما أبدت عدة دول ترددًا أو رفضًا للمشاركة العسكرية، بينها اليابان وأستراليا، فيما أظهرت مواقف أوروبية أوسع أن واشنطن لم تنجح في بناء مظلة بحرية جماعية كما كانت تريد. بل إن ترامب نفسه لوّح بأن مستقبل الناتو سيكون “سيئًا للغاية” إذا لم يساعد في فتح المضيق، في اعتراف ضمني بأن الولايات المتحدة فشلت في حشد التحالف الذي كانت تراهن عليه.
هذا الإخفاق الدولي تزامن مع تصاعد الضغوط الإيرانية الميدانية، بحيث لم تعد المعركة مجرد رد على غارات جوية، بل معركة إعادة تشكيل ميزان القوة في الخليج وغرب آسيا. فمنذ الساعات الأولى، أكد مقر خاتم الأنبياء أن العدو المهزوم لجأ إلى المكر والخداع ومحاولة تصنيع ذرائع لتأليب دول الجوار على إيران، بل واستنساخ مسيّرات تحمل بصمات مشابهة للقدرات الإيرانية بهدف تنفيذ هجمات تخريبية غير مشروعة في المنطقة وتشويه طبيعة الرد الإيراني. وشدد المقر على أن أي هجوم تشنه إيران يُعلن عنه رسميًا وتتحمل مسؤوليته كاملة، نافيًا صلتها بالهجمات التي استهدفت مراكز في تركيا والكويت والعراق، ومؤكدًا أن العقيدة الدفاعية الإيرانية تستهدف حصراً مصالح أمريكا والكيان الصهيوني.
وفي الميدان، واصلت الجمهورية الإسلامية فرض إيقاعها الناري بوتيرة تصاعدية. فقد أعلن حرس الثورة الإسلامية تنفيذ الموجة 52 من عملية “الوعد الصادق 4” ضد مراكز القيادة والسيطرة الإقليمية وإدارة الجبهة الداخلية للكيان الصهيوني، إلى جانب قاعدة الظفرة الأمريكية، باستخدام 10 صواريخ فرط صوتية من طرازي “فاتح” و”قدر” وسرب من الطائرات المسيّرة الانتحارية. ثم جاءت الموجة 53 بذات الثقل، قبل أن تصل العمليات إلى مستوى نوعي جديد مع الموجة 54 التي شهدت إطلاق صاروخ “سجيل” الباليستي لأول مرة منذ بدء الحرب، مستهدفة البنى التحتية للصناعات العسكرية والدفاعية ومواقع تجمع القوات الصهيونية في قلب الأراضي المحتلة. وبعدها أُعلنت الموجة 55 ضد مراكز إنتاج الأسلحة العسكرية الجوية والفضائية (IAI)، ومراكز التزود بالوقود الجوي في تل أبيب ومطار بن غوريون، إضافة إلى قواعد أمريكية في الظفرة والجفير والشيخ عيسى، بواسطة صواريخ فتاح وعماد وقدر ومسيرات انتحارية.
وبموازاة ذلك، كانت تل أبيب وحيفا والجليل والنقب وإيلات تتلقى الضربات تباعًا. فقد دوت صفارات الإنذار مرات متكررة، واندلعت الحرائق في تل أبيب الكبرى، وظهرت مشاهد الدمار في أحياء ومستوطنات متعددة، بينما اعترف إعلام العدو بأن هذا اليوم بدا من أكثر الأيام تعرضًا للقصف الإيراني كثافة. كما أكدت القوات الإيرانية أن الضربات طالت مراكز الاستخبارات العسكرية “أمان” ووحدات 8200 السيبرانية ومواقع تمركز المقاتلات، بما يعني أن النيران الإيرانية لم تعد موجهة فقط إلى القواعد التقليدية، بل إلى العصب الاستخباري والتقني والعملياتي للعدو.
أما القواعد الأمريكية، فقد تحولت إلى ميدان استنزاف دائم. ووفق التقارير، تعرضت قاعدة الأمير سلطان في السعودية لضربات ألحقت أضرارًا بعدة طائرات تزويد بالوقود، بينما تكررت الضربات على الظفرة والعديد والشيخ عيسى وعلي السالم والجفير والأسطول الخامس. وفي هذا السياق، أكد قائد مقر خاتم الأنبياء اللواء عبد اللهي أن إيران عازمة على استخدام كل قدراتها الجيوسياسية، وفي مقدمتها إدارة والسيطرة على حركة المرور في مضيق هرمز، وأن الولايات المتحدة لم تعد قادرة على فرض الأمن أو الهيمنة كما كانت تفعل. كما شدد على أن إيران لم تبدأ الحرب، لكنها هي التي ستحدد نهايتها.
ومن النقاط الأخطر في اليوم السابع عشر، ما كشفه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي من أن الهجوم على جزيرة خارك شُن من أراضي جيران إيران، موضحًا أن القوات الأمريكية أطلقت صواريخ هيمارس من دول الجوار، وأن الضربات انطلقت من رأس الخيمة ومكان قريب من دبي. وهذا يعني أن طهران باتت تتعامل مع بعض منصات الجوار بوصفها منصات عدوان فعلية لا مجرد ساحات محايدة. وعليه، جدد عراقجي التحذير من أن أي استهداف لمنشآت الطاقة الإيرانية سيُقابل باستهداف منشآت لشركات أمريكية في المنطقة، في تثبيت واضح لمعادلتي الطاقة مقابل الطاقة والمنصة المعتدية مقابل الضربة المقابلة.
وفي ملف مضيق هرمز، أكدت طهران أنها لم تغلقه إغلاقًا عسكريًا كاملًا، لكنها باتت تتحكم فيه تحكمًا ذكيًا. فإيران ترى أن المضيق مفتوح لغير الأعداء، لكنه ليس ممرًا مجانيًا لسفن الولايات المتحدة وحلفائها. وبهذا المعنى، تحوّل هرمز من مجرد ممر مائي إلى أداة سيادية–عسكرية–اقتصادية تستخدمها إيران لإعادة صياغة قواعد الحركة والطاقة والردع. وقد بدأت الأسواق تدفع الثمن، مع ارتفاع خام برنت إلى 106.50 دولارات للبرميل، وصدور تحذيرات من شركات النفط، وبدء اليابان السحب من احتياطياتها النفطية، وتراجع بورصات الخليج، وارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة.
وعلى الجبهة اللبنانية، واصل حزب الله توسيع دائرة الضغط، معلنًا تنفيذ 47 عملية نوعية خلال 24 ساعة، بينها استهداف قاعدة ميرون مرتين، وقصف كريات شمونة وأفيفيم ونهاريا، وضرب الدبابات والتجمعات العسكرية في الخيام والعديسة ومحيط الحدود، ما دفع الإعلام العبري إلى الإقرار بأن الحياة اليومية في الشمال لم تعد طبيعية، وأن قدرات حزب الله على الإضرار بالجبهة الداخلية تفوق ما قدّرته الاستخبارات الإسرائيلية. وفي العراق، واصلت المقاومة الإسلامية ضرب القواعد الأمريكية بعشرات المسيّرات والصواريخ، في مشهد يؤكد أن الحرب لم تعد محصورة بين إيران والكيان، بل أصبحت حرب استنزاف إقليمية متعددة الجبهات.
وفي الداخل الإيراني، واصلت الدولة ضرب شبكات الاختراق والتجسس، مع إعلان اعتقال 500 جاسوس بحسب قائد قوى الأمن الداخلي، إلى جانب عشرات العملاء والخلايا المرتبطة بالعدو. كما استمرت الدفاعات الإيرانية في إسقاط المسيّرات الأمريكية والصهيونية، بما يعزز صورة الفشل المعادي في فرض سيادة جوية أو تحقيق اختراق آمن داخل العمق الإيراني.
وعليه، فإن إدماج عامل رفض حلفاء واشنطن إرسال سفن إلى هرمز في صورة اليوم السابع عشر يكشف جوهر المأزق: ترامب لم يورّط إيران، بل ورّط نفسه وحلفه. فلا الناتو تحرك كما يريد، ولا الشركاء الآسيويون اندفعوا خلف مغامرته، ولا القواعد الأمريكية بقيت آمنة، ولا الكيان الصهيوني استطاع وقف الرشقات أو حماية جبهته الداخلية. في المقابل، تبدو إيران أكثر ثباتًا وقدرة على إدارة النار والسياسة والطاقة والممرات في آن واحد. وهكذا، لم تعد الحرب حربًا لعزل طهران، بل تحولت إلى حرب عزلة أمريكية–صهيونية متصاعدة تحت ضغط الصواريخ والسيادة وفشل التحالفات.
