ذات صلة

الأكثر مشاهدة

ترامب يلوّح بالعاصفة وطهران تجهز للرد الشامل.. هرمز يتحول من ورقة ضغط أمريكية إلى منصة سيادة إيرانية

تكشف التطورات الأخيرة أن المشهد القائم بين واشنطن وطهران لم يعد يُقرأ بوصفه مجرد جولة جديدة من التهديدات المتبادلة، بل باعتباره صراعاً على الإرادة والقدرة على فرض المعادلات بعد فشل العدوان الأمريكي الإسرائيلي في تحقيق أهدافه الأساسية. فبينما يحاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إعادة تسويق نفسه من خلال لغة التهديد وعبارات من نوع “هدوء ما قبل العاصفة”، تمضي طهران في اتجاه معاكس تماماً، عنوانه رفع الجهوزية، وتوسيع بنك الأهداف، وإعادة تنظيم السيادة على مضيق هرمز عسكرياً واقتصادياً، بما يؤكد أن إيران لا تتعامل مع المرحلة الراهنة كهدنة رخوة، بل كمرحلة تثبيت إنجازات وإعادة رسم ميزان الردع.

وجاء التلويح الأمريكي الأخير بعد عودة ترامب من بكين، حيث حاول الإيحاء بأن زيارته إلى الصين قد تفتح ثغرة في أزمة هرمز أو تدفع بكين إلى ممارسة ضغط على إيران، غير أن ما ظهر فعلياً هو أن هذا الرهان الأمريكي بقي منزوع الفاعلية. فالصين لم تُبدِ استعداداً لتقمص دور الأداة الضاغطة لصالح واشنطن، بل حافظت على مقاربة ترتكز على خفض التصعيد وإنهاء الحرب وحماية المصالح الطاقوية والملاحية، لا على فرض الشروط الأمريكية على طهران. وهكذا، عاد ترامب من بكين بلا اختراق حقيقي، ما جعل تهديداته تبدو أقرب إلى محاولة تعويض الفشل السياسي بالاستعراض الخطابي.

وفي ظاهر المشهد، قد يبدو أن البيت الأبيض ما يزال يملك خيار الحرب، لكن التدقيق في المعطيات يبين أن واشنطن تقف أمام ثلاثة كوابح رئيسية تحد من قدرتها على استئناف العدوان. الأول كابح استراتيجي يتمثل في الكلفة الباهظة لأي تصعيد جديد على الخليج والطاقة والاقتصاد العالمي. والثاني كابح داخلي وانتخابي يرتبط بارتفاع أسعار البنزين وتراجع شعبية ترامب واقتراب استحقاقات التجديد النصفي. أما الثالث فهو كابح عسكري وعملياتي، لأن الحرب السابقة أثبتت أن الضغط على إيران لا يضمن انتزاع تنازلات سريعة، بل قد يؤدي إلى استنزاف ممتد يضعف الردع الأمريكي نفسه بدل أن يعززه. ومن هنا، فإن كثيراً من التقديرات تميل إلى أن تهديد ترامب ليس إعلان حرب بقدر ما هو ضغط تفاوضي مرتفع السقف.

غير أن ما يضعف أثر هذا الابتزاز الأمريكي أكثر هو أن طهران لم تعد في موقع رد الفعل الانتظاري. فبحسب ما نقلته نور نيوز عن مسؤول عسكري إيراني مطلع، أبلغت القوات المسلحة الإيرانية جميع الوحدات العملياتية المعنية بخطة “الرد الفوري والشامل”، وذلك رداً على تهديدات ترامب وما سماه “التطهير الخفيف”. ووفق هذه الخطة، فإن أي خطأ أمريكي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بوابل من النيران المكثفة والمتزامنة ضد طيف واسع من المصالح والبنى التحتية الأمريكية في المنطقة. وهذا يعني أن طهران لا تتحدث عن رد رمزي أو موضعي، بل عن نسخة أشد اتساعاً وكلفة من الردع، تقوم على إفهام واشنطن أن زمن المغامرات منخفضة الثمن قد انتهى.

والأهم من ذلك أن الخطة الإيرانية الجديدة لا تعيد فقط تدوير بنك الأهداف السابق، بل توسعه بصورة لافتة. فالأهداف التي لم تُستهدف خلال حرب الأربعين يوماً لأسباب معينة، باتت اليوم، وفق المصدر نفسه، في صدارة الأولويات العملياتية. كما أن المقاربة الجديدة صيغت بما يراعي عامل الزمن، وظروف الصيف، وضغوط الطاقة، والمضائق اللوجستية، ونقاط الضعف الإقليمية والدولية الأمريكية، بما يكشف أن إيران لا تبني ردها على القوة النارية فحسب، بل على الاستفادة من بيئة الإنهاك الاقتصادي والجيوسياسي لتعظيم أثر الضربة وتقليص قدرة الخصم على امتصاصها.

وفي المسار الموازي، لا تقل أهمية الخطة الإيرانية الجديدة بشأن مضيق هرمز. فإيران تعلن بوضوح أنها لا تريد للمضيق أن يبقى مجرد ساحة اشتباك عسكري، بل أن يتحول إلى منصة سيادية منظمة تربط بين الأمن والمراقبة والعائد الاقتصادي. ووفق ما نقلته فارس عن وزارة الاقتصاد الإيرانية، فإن الآلية الجديدة لإدارة المضيق بعد الحرب قد تدر على إيران أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، عبر استخدام التأمين البحري كأداة لتنظيم إدارة الممر، مع الإبقاء الكامل على حق إيران في ممارسة سيادتها عليه. وتشمل الخطة إصدار وثائق وشهادات بحرية ومسؤولية مالية، بما يمنح طهران قدرة أكبر على تتبع حركة السفن، وتمييز تبعياتها، وبناء إطار رقابي ومؤسسي دائم.

وهنا تتضح الصورة الأوسع: الولايات المتحدة تلوّح بإعادة فتح هرمز بالقوة، بينما تعمل إيران على تحويل هرمز إلى منظومة سيادة وعائدات وإدارة مؤسسية. واشنطن تريد استخدام المضيق كورقة ضغط، وطهران تريد تكريسه كجزء من نفوذها الإقليمي المشروع. وبين منطق الابتزاز الأمريكي ومنطق التثبيت الإيراني، يبدو أن ميزان المبادرة لم يعد كما كان في السابق، بل بات يميل نحو طرف استطاع أن يحول الحرب من محاولة لإخضاعه إلى فرصة لإعادة صياغة قواعد الاشتباك من موقع أقوى.

وفي العمق، تكشف هذه اللحظة حدود نهج ترامب القائم على “الدبلوماسية القهرية”. فالتهديدات العلنية والإنذارات القصيرة قد تنجح مع أطراف تسعى إلى مخرج سريع بأي ثمن، لكنها لا تبدو مجدية مع دولة مثل إيران، اعتادت إطالة التفاوض، وامتصاص الضغط، وتحويل الوقت إلى عنصر قوة. بل إن بعض التقديرات الواردة في الملف تشير إلى أن هذا النهج الأمريكي قد يخدم طهران أكثر مما يضرها، لأنه يفضح عجلة واشنطن وحاجتها إلى اتفاق سريع، بينما يملك الإيرانيون قدرة أكبر على الصبر واستنزاف الوقت والخصم معاً.

في المحصلة، لا يبدو أن ترامب يملك اليوم حرية حرب كاملة بقدر ما يملك لغة حرب عالية النبرة. أما إيران، فتتصرف كدولة خرجت من الجولة السابقة بقناعة أوضح: أن الردع لا يُصان فقط بالصواريخ، بل أيضاً بإدارة الوقت، وتوسيع بنك الأهداف، وإعادة تعريف السيادة على هرمز، وحرمان الخصم من فرض شروطه عبر التهديد. ولهذا، فإن السؤال لم يعد: هل يهدد ترامب إيران؟ بل: هل تستطيع واشنطن تحمل كلفة تنفيذ تهديداتها في ظل معادلة ردع إيرانية أكثر صلابة واتساعاً من أي وقت مضى؟

spot_imgspot_img