كشفت إيران، السبت، عن ملامح مرحلة جديدة أكثر تشدداً في التعامل مع التهديدات الأمريكية، وذلك عبر مسارين متوازيين: خطة رد عسكري فوري وشامل في حال أي تصعيد من واشنطن، وتصور اقتصادي – سيادي جديد لإدارة مضيق هرمز بعد الحرب، بما يعكس انتقال طهران من موقع الاحتواء إلى مرحلة تثبيت الردع وإعادة تنظيم أوراق القوة.
وفي الشق العسكري، نقلت وكالة نور نيوز عن مسؤول عسكري إيراني مطلع أن القوات المسلحة أبلغت جميع الوحدات العملياتية المعنية بخطة “الرد الفوري والشامل”، وذلك على خلفية تهديدات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وما وصفه بعملية “التطهير الخفيف” ضد إيران. ووفق المسؤول، فإن أي خطأ في الحسابات أو أي تحرك عدائي أمريكي، حتى لو كان محدوداً، سيُقابل بوابل من النيران الكثيفة والمتزامنة ضد طيف واسع من المصالح والبنى التحتية الأمريكية في المنطقة.
وأوضح المسؤول أن الخطة الجديدة لا تقتصر على الأهداف التي سبق استهدافها أو رصدها خلال المواجهات السابقة، بل تشمل أيضاً أهدافاً جديدة كانت قد استُبعدت في حرب الأربعين يوماً لاعتبارات معينة، لكنها أصبحت الآن على رأس الأولويات العملياتية. ويعكس ذلك أن طهران لا تتحدث عن رد تقليدي أو محسوب بالصيغة السابقة، بل عن نسخة أكثر اتساعاً وصرامة من الردع، عنوانها أن ما لم يُستهدف سابقاً قد يصبح هدفاً مباشراً في أي جولة مقبلة.
وأشار المصدر العسكري إلى أن الخطة الإيرانية صيغت هذه المرة وفق مقاربة تأخذ في الاعتبار عامل الزمن بصورة دقيقة، مع التركيز على نقاط الضعف الموسمية المرتبطة بفصل الصيف، وضغوط الطاقة، والمضائق اللوجستية، إلى جانب الهشاشات الإقليمية والدولية التي تواجهها الولايات المتحدة. وهذا يعني أن إيران تحاول بناء ردها ليس فقط على قاعدة القوة النارية، بل على أساس الاستفادة من البيئة الزمنية والاقتصادية والجيوسياسية لتعظيم أثر الضربة وتقليل قدرة الطرف الآخر على امتصاصها.
كما شدد المسؤول الإيراني على أن ما سماه اعتبارات ضبط النفس السابقة قد جرى استبعاده في الخطة الجديدة، وأن سيناريو الرد أعيد تعريفه وفق قاعدة “الضغط المتبادل الأقصى”، وبمستوى يتجاوز الأنماط السابقة. ويكشف هذا التوصيف أن طهران تريد إيصال رسالة واضحة مفادها أن المرحلة المقبلة، إذا فُرضت عليها، لن تُدار بمنطق الاحتواء المحدود، بل بمنطق التصعيد المقابل بأقصى ما يمكن من الكلفة والاتساع.
وفي المسار الثاني، أعلنت إيران عن إعداد مقترح جديد لإدارة مضيق هرمز في مرحلة ما بعد الحرب، في خطوة تؤكد أن طهران لا تنظر إلى المضيق فقط كساحة اشتباك عسكري، بل كأداة سيادة ونفوذ وعائد اقتصادي طويل الأمد. ونقلت وكالة فارس عن وزارة الاقتصاد الإيرانية أن الآلية الجديدة تحظى بقبول دولي، وتتوافق مع قواعد القانون الدولي، مع توقعات بأن تدر على إيران أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً.
ووفق الوثيقة التي اطلعت عليها الوكالة، يقوم التصور الجديد على استخدام آليات التأمين البحري لتنظيم إدارة الممر، مع الإبقاء الكامل على حق إيران في ممارسة سيادتها عليه. وتقوم المرحلة الأولى من الخطة على توفير تغطية تأمينية لعمليات التفتيش والاحتجاز والمصادرة، دون أن تشمل الأضرار الناتجة عن الهجمات العسكرية، بما يفتح الباب أمام بناء نظام تنظيم ومراقبة مالي وبحري مرتبط مباشرة بالدور الإيراني في المضيق.
وتشير الوثيقة إلى أن الإطار التأميني الجديد سيسمح بإصدار وثائق وشهادات بحرية ومسؤولية مالية متعددة، بما يمنح إيران قدرة أوسع على جمع المعلومات، ومتابعة حركة السفن، وتمييزها وفق الدول التابعة لها، وهو ما يعني عملياً أن طهران تتجه نحو هيكلة أكثر مؤسسية لإدارة هرمز، تربط بين الأمن والسيادة والرقابة والعائد الاقتصادي.
في المحصلة، تعكس المعطيات الأخيرة أن إيران تسعى إلى تثبيت معادلة مزدوجة: عسكرياً، عبر رفع مستوى الجهوزية والانتقال إلى ردع أكثر حدة واتساعاً؛ واقتصادياً، عبر تحويل هرمز من مجرد ساحة توتر إلى منصة سيادية مدرة للعوائد وتخضع لإدارة إيرانية أكثر تنظيماً. وبين تهديدات ترامب وخطط طهران الجديدة، يبدو أن المنطقة تتجه إلى مرحلة عنوانها الواضح: أي تصعيد أمريكي سيقابل برد أعلى كلفة، وأي حديث عن هرمز لن يمر بعد اليوم خارج الإرادة الإيرانية.
