ذات صلة

الأكثر مشاهدة

حين يصبح الموقفُ الشعبي وقوداً للمعادلات

إنَّ المتأمل في مشهد "السبعين" لا يرى مجرد حشودٍ...

الرياض تصطدم بحقيقة اليمن الجديد.. مشاريعها المليارية مرهونة بقرار الحوثيين

كشف تقرير صادر عن معهد دول الخليج العربي حقيقة المأزق السعودي في اليمن، مؤكداً أن أي مشروع استراتيجي ضخم تسعى الرياض إلى تمريره عبر الأراضي اليمنية، وخصوصاً مشروع الممر الممتد عبر حضرموت أو المهرة إلى البحر العربي، لا يمكن أن يرى النور من دون موافقة صنعاء، في إقرار واضح بأن المملكة عاجزة عن تجاوز أنصار الله أو فرض وقائع جيوسياسية كبرى بمعزل عنهم.

وبحسب التقرير، فإن فكرة إنشاء هذا الممر تمثل واحدة من الخيارات الاستراتيجية القليلة الممكنة على المدى الطويل بالنسبة للسعودية، إلا أن تنفيذها لا يمكن أن يتم بوصفها مجرد مشروع هندسي أو لوجستي، بل يحتاج إلى تفاهمات سياسية واسعة ومعقدة تشمل مراكز النفوذ في شمال اليمن وجنوبه، إلى جانب سلطنة عمان ومجلس التعاون الخليجي، والأهم من ذلك الحوثيين، وهو ما يشكل اعترافاً ضمنياً وصريحاً في آنٍ معاً بأن صنعاء باتت رقماً حاسماً لا يمكن شطبه من أي معادلة مستقبلية تخص اليمن أو الإقليم.

ويحمل هذا التقدير دلالة سياسية عميقة، لأنه ينسف الرهان السعودي القديم على إمكانية إعادة تشكيل الخارطة اليمنية بما يخدم مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية من دون تقديم استحقاقات سياسية حقيقية أو الوصول إلى تسوية شاملة مع القوى الفاعلة على الأرض. فالتقرير يقر عملياً بأن أي حديث عن ممرات طاقة أو منافذ استراتيجية أو بنية تحتية عابرة لليمن، يبقى حبراً على ورق ما لم يُحسم أولاً الملف السياسي والعسكري مع صنعاء.

وأشار التقرير أيضاً إلى أن الوضع في محافظة المهرة أصبح أكثر استقراراً مقارنة بسنوات التوتر في 2018 و2019، لافتاً إلى اعتماد السعودية بشكل متزايد على قوات محلية من أبناء المحافظة، بينها ما يسمى قوات درع الوطن، بالتوازي مع تحسن العلاقات بين الرياض ومسقط. غير أن هذا الاستقرار النسبي، وفق القراءة الضمنية للتقرير، لا يكفي وحده لتمرير مشروع بهذا الحجم، ما دام الصراع اليمني العام لم يُحسم، وما دامت صنعاء قادرة على فرض نفسها كطرف لا يمكن تجاهله أو القفز عليه.

ورغم ما وصفه التقرير بـ “المنطق الاستراتيجي” لمشروع ممر الطاقة السعودي، فإنه شدد على أن استمرار الصراع في اليمن يشكل العقبة الرئيسية أمام تنفيذه، وأن مشاريع بنية تحتية بهذا الحجم، قد تصل تكلفتها إلى عشرات المليارات من الدولارات، لن تنجح من دون تسوية سياسية شاملة مع صنعاء. وهذا يعني أن السعودية، التي حاولت طويلاً إدارة الملف اليمني بمنطق الوصاية والضغط والحرب، باتت اليوم أمام حقيقة أكثر وضوحاً: لا استثمارات استراتيجية، ولا ممرات طاقة، ولا خرائط نفوذ جديدة من دون الاعتراف بوزن صنعاء وموقعها الفعلي في المعادلة.

spot_imgspot_img