فجّرت الوثائق ومحاضر الضبط الأمني التي كشف عنها الصحفي فتحي بن لزرق موجة غضب وصدمة واسعة في عدن المحتلة، بعد تداول معطيات خطيرة بشأن طبيب متهم بارتكاب اعتداءات جنسية وجرائم ابتزاز بحق عدد من الأطفال، في قضية تحولت سريعاً إلى ملف رأي عام يضع الأجهزة الأمنية التابعة لسلطات الأمر الواقع أمام اتهامات مباشرة بـ التستر وتهريب المتهمين بدل حماية الضحايا وإنفاذ القانون.
وبحسب المعلومات الواردة في محاضر التحريات والمصادر الرسمية، فإن المتهم الرئيسي، المقيد في السجلات الأمنية بالأحرف (م. النقيب)، يواجه اتهامات مباشرة بالاعتداء الجنسي على أكثر من 8 أطفال، وسط مخاوف متصاعدة من وجود ضحايا آخرين لم تُكشف هوياتهم بعد. وتشير المعلومات أن المتهم قام بتوثيق جرائمه عبر مقاطع مصورة بهدف إخضاع الضحايا وابتزازهم، ما يضفي على القضية بعداً أكثر بشاعة وخطورة.
وتؤكد المصادر الأمنية أن الشريك الأول في هذه الشبكة، وهو الشخص الذي ظهر في المقطع المتداول وهو يقوم بالتصوير، محتجز حالياً لدى شرطة الممدارة على ذمة التحقيقات الأولية، في وقت تتسع فيه المطالب الشعبية والحقوقية بكشف كامل خيوط الشبكة وعدم الاكتفاء باعتقال أطراف ثانوية وترك من وفروا الغطاء أو سهّلوا الإفلات.
وفي محاولة واضحة لاحتواء غضب الشارع العدني، أصدرت إدارة أمن عدن قراراً بإيقاف مدير قسم شرطة الممدارة جلال الصبيحي عن العمل، على خلفية اتهامه بالتستر على القضية والإفراج عن المتهم الرئيسي. لكن هذا القرار لم ينجح في تهدئة الشارع، بل زاد من قناعة كثيرين بأن القضية تتجاوز شخصاً أو اثنين، وتكشف عن اختلال خطير داخل البنية الأمنية سمح ـ بحسب الاتهامات ـ بتهريب المتهم أو محاولة تمييع القضية.
كما طالت التحقيقات عناصر أمنية أخرى، إلى جانب اعتقال مالك الفندق الذي وقعت فيه الجريمة بتهمة التستر وعدم الإبلاغ، ما يشير إلى أن الملف لا يتوقف عند الفعل الإجرامي المزعوم نفسه، بل يمتد إلى سلسلة من حلقات الحماية والتواطؤ التي وفرت بيئة تسمح بوقوع مثل هذه الجرائم أو عرقلة كشفها في الوقت المناسب.
وقد وصف ناشطون وإعلاميون الحادثة بأنها تعبير صارخ عن الانفلات الأمني والانهيار الأخلاقي في المدينة، مؤكدين أن ما يثير الرعب ليس فقط بشاعة الاتهامات، بل الغطاء الأمني الذي يُقال إنه وُفر للمتهمين. وطالب هؤلاء بـ تحقيق مستقل وشامل يطال كل من تورط أو تستر أو حاول الالتفاف على القضية، محذرين من الاكتفاء بإقالة بعض الأسماء الصغيرة لامتصاص الاحتقان، مع الإبقاء على الرؤوس الكبيرة خارج دائرة المساءلة.
وفي المحصلة، تكشف هذه القضية ـ وفق المعطيات المتداولة حتى الآن ـ عن جرح عميق في الواقع العدني، حيث لم تعد الفوضى الأمنية مجرد اختلال إداري، بل تحولت إلى بيئة حاضنة للانتهاكات الخطيرة بحق الفئات الأضعف، وفي مقدمتها الأطفال. ولهذا، فإن الغضب الشعبي المتصاعد لا يتجه فقط نحو المتهمين المباشرين، بل نحو منظومة كاملة متهمة بالعجز أو التواطؤ أو حماية النافذين، في مدينة لم تعد تعاني فقط من انهيار الخدمات، بل أيضاً من اهتزاز الثقة بالعدالة والأمن والقيم العامة.
