ذات صلة

الأكثر مشاهدة

“رجوم” المفترس الذي بدّد أوهام الحسم بالكمائن الجوية

في رحى الحروب... لا يكمن جوهر التفوق في مجرد...

من يقاتل ضد أنصار الله براً في اليمن؟

تزدحم الطاولة الإقليمية بخرائط للردّ على تقدّم قوات صنعاء...

مشاهد التأييد.. حين ينطق الميدان بصدق التوكل والأخلاق

​إن ما تنقله المشاهد الميدانية وتوثقه عدسات الإعلام الحربي...

ثورة 21 سبتمبر.. معادلة الأمن والسيادة التي كسرت المؤامرات

لم تكن ثورة الحادي والعشرين من سبتمبر مجرد محطة...

من هرمز إلى القواعد الأمريكية.. التصعيد الأخير يدفن هدنة واشنطن وطهران ويفتح المنطقة على مواجهة أوسع

دفعت الضربات المتبادلة الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران المنطقة مجدداً إلى حافة العودة الكاملة إلى مربع الحرب، بعدما تحولت مذكرة التفاهم ووقف إطلاق النار إلى إطار هشّ يتهاوى تحت وطأة الخروقات الأمريكية المتصاعدة ومحاولات فرض وقائع جديدة في مضيق هرمز والساحل الإيراني. فخلال الساعات الماضية، وسّعت واشنطن بنك أهدافها ليطال المواقع العسكرية والدفاعات الجوية والرادارات الساحلية والبنى اللوجستية وحتى الجسور وخطوط السكك الحديدية، فيما ردّت طهران باستهداف القواعد والمنشآت الأمريكية في الخليج، وأعادت تثبيت معادلتها الواضحة: لا ملاحة في هرمز خارج الترتيب الإيراني، ولا عدوان أمريكي بلا كلفة مباشرة.

الضربات الأمريكية، التي وصفتها القيادة المركزية بأنها جولة إضافية لـ “إضعاف قدرة إيران على مهاجمة السفن التجارية”، شملت مناطق واسعة من إيرانشهر وبندر عباس وكنارك وتشابهار وبوشهر وآق قلا، في اتساع جغرافي غير مسبوق مقارنة بالجولات السابقة التي كانت أكثر التصاقاً بمياه الخليج. وبحسب المعطيات المتداولة، استهدفت واشنطن نحو 90 هدفاً عسكرياً، من أنظمة دفاع جوي وأصول مراقبة ساحلية ومخازن صواريخ ومسيّرات وقدرات بحرية وبنية لوجستية عسكرية على طول الساحل الإيراني. غير أن الأخطر في هذا التصعيد كان انتقال واشنطن إلى استهداف البنى التحتية المدنية والاقتصادية، بعدما طالت صواريخها جسرين للسكك الحديدية في شمال وشرق إيران، في مؤشر على أن العدوان لم يعد يقتصر على إضعاف القدرات العسكرية، بل بات يستهدف شرايين النقل والربط الداخلي والخارجي للدولة الإيرانية.

وفي المقابل، لم تتأخر طهران في الرد، لا سياسياً ولا عسكرياً. فقد أعلن الجيش الإيراني استهداف أنظمة باتريوت في الكويت، وموقع إنذار مبكر في قطر، وخزانات وقود للجيش الأمريكي في البحرين، فيما أعلن الحرس الثوري ضرب قواعد عريفجان وعلي السالم في الكويت، والجفير والشيخ عيسى في البحرين، مع تحذير واضح من أن أي اعتداء جديد سيقابله توسيع مباشر للرد ليشمل قواعد أمريكية أخرى في المنطقة. وبهذا، تكون إيران قد نقلت الرسالة من مستوى التحذير إلى معادلة ردع عملية، تؤكد أن القواعد الأمريكية في الخليج لم تعد بعيدة عن النار، وأن زمن العدوان من دون ثمن قد انتهى.

جوهر الاشتباك الحالي لا ينفصل عن مضيق هرمز، الذي عاد ليصبح مركز الصراع السياسي والعسكري. فكل من واشنطن وطهران تتهم الأخرى بانتهاك مذكرة التفاهم، لكن نقطة الخلاف الرئيسية تبدو مرتبطة بما تعتبره إيران حقها الحصري في تنظيم المرور الآمن للسفن عبر المضيق. وقد استندت طهران إلى هذا التفسير لتشديد قبضتها على الملاحة، في حين رأت واشنطن أن إيران تحاول فرض واقع جديد يتجاوز نص التفاهم ويجعل المرور خاضعاً بالكامل للإرادة الإيرانية. ومن هنا جاءت الضربات الأمريكية بوصفها محاولة لانتزاع هذا الحق بالقوة، بينما جاء الرد الإيراني ليقول إن هرمز ليس ممراً دولياً منفصلاً عن السيادة الإيرانية، بل عقدة استراتيجية لن تفتح إلا وفق شروط طهران وترتيباتها.

وفي هذا السياق، جاءت تصريحات محمد باقر قاليباف شديدة الدلالة حين أكد أن “مضيق هرمز لن يُفتح إلا بترتيبات إيرانية، وليس بالتهديدات الأمريكية”، مضيفاً أن “أمريكا لم تتعلم بعد أن التنمر ونكث الوعود لم يعودا بلا ثمن”. وهذا الموقف لا يعبر عن خطاب انفعالي فقط، بل عن ترسيخ رسمي للمعادلة الإيرانية: واشنطن رفعت الحصار عن الموانئ الإيرانية مؤقتاً، وعلّقت بعض القيود على النفط، لكنها في المقابل أرادت من طهران أن تتخلى عن حقها في إدارة ممرها البحري الأهم. وطهران رفضت ذلك، معتبرة أن أي سفينة تمر خارج المسارات المنسقة معها إنما تتحدى السيادة الإيرانية المباشرة.

سياسياً، كشفت التطورات أن الحديث عن هدنة أو تفاهم دائم لم يكن سوى وقف هش لإدارة الاشتباك، لا تسوية حقيقية لأسباب الصراع. فالقضايا الكبرى، من البرنامج النووي الإيراني إلى الصواريخ والدور الإقليمي وأمن الملاحة في هرمز، بقيت مؤجلة إلى مفاوضات الستين يوماً، ما جعل العودة إلى القتال مسألة وقت لا أكثر. ومع إعلان ترامب أن إيران “تريد صفقة”، في مقابل تهديده بأن الرد على أي استهداف جديد للسفن سيكون “أسوأ بكثير”، يتضح أن واشنطن ما تزال تحاول الجمع بين الضرب والتفاوض، بينما ترى طهران في ذلك امتداداً لسياسة الابتزاز بالقوة.

إسرائيلياً، لم يكن المشهد أقل توتراً. فوسائل إعلام العدو تحدثت عن حالة تأهب قصوى واستعدادات لاحتمال رد إيراني أو لبناني، مع تقديرات بأن المواجهة بين واشنطن وطهران باتت “حتمية” ولو في إطار محدود. وقد عكست التقارير العبرية قلقاً واضحاً من أن تتحول الضربات الأمريكية الأخيرة إلى موجة قتال متعددة الجبهات، تشمل الخليج ولبنان وربما ساحات أخرى، في وقت تدرك فيه “تل أبيب” أن أي انخراط إيراني أوسع سيجعلها جزءاً مباشراً من كلفة التصعيد، سواء عبر الصواريخ أو عبر استنزاف الجبهة الداخلية والأمنية.

وفي المحصلة، فإن ما جرى خلال اليومين الأخيرين يثبت أن الهدنة دخلت عملياً مرحلة الانهيار، وأن مذكرة التفاهم لم تعد تضبط الصراع، بل باتت تُستحضر فقط لتبادل الاتهامات بشأن من خرقها أولاً. كما يكشف أن واشنطن انتقلت من سياسة الضغط البحري والسياسي إلى استهداف البنية العسكرية واللوجستية الإيرانية بعمق أوسع، فيما ردت طهران بتوسيع نطاق النار نحو القواعد الأمريكية في الخليج وتثبيت سيادتها على هرمز. وبذلك، تبدو المنطقة اليوم أمام معادلة أكثر خطورة: إما تراجع أمريكي عن فرض الوقائع بالقوة، أو انزلاق متدرج إلى حرب استنزاف إقليمية مفتوحة، عنوانها القواعد، والمضيق، والطاقة، والممرات الاستراتيجية.

spot_imgspot_img