تصاعدت داخل الأوساط السياسية التركية المواقف الرافضة لـ”اتفاق مكة” للدفاع المشترك، وسط تحذيرات من أن يتحول الاتفاق إلى بوابة لزج الجيش التركي في الحرب على اليمن، فيما ربط عدد من قادة المعارضة أي تدخل عسكري محتمل بحسابات السعودية والولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي.
وقال نائب رئيس الكتلة البرلمانية لحزب “يني” التركي مراد أمير إن الاتفاق يعني، من وجهة نظره، “الدخول في الحرب ضد الحوثيين لمصلحة السعودية ونتنياهو” والعمل وكيلاً للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في اليمن، مطالباً الحكومة بتوضيح المكاسب التي ستعود على تركيا من الالتزام به.
وفي موقف مماثل، أكد القيادي في حزب الشعب الجمهوري بولنت كوش أوغلو رفض إرسال القوات التركية إلى اليمن أو أي جبهة أخرى، داعياً إلى أن يكون التعاون مع السعودية اقتصادياً وأمنياً بدلاً من تحويله إلى التزام عسكري ودفاعي. وكانت تصريحات سابقة له قد أكدت بالفعل أن إرسال القوات إلى اليمن “ليس أمراً يمكننا قبوله”.
أما رئيس الحزب الجيد موسافات درويش أوغلو فرفض الاتفاق، معتبراً أن الجندي التركي لا ينبغي أن يتحول إلى أداة لحماية مصالح اقتصادية سعودية، في موقف يعكس المخاوف المتزايدة داخل المعارضة من أن يقود الاتفاق إلى تورط عسكري مباشر خارج الأراضي التركية.
وهاجم نائب رئيس حزب إعادة الرفاه محمد آشيلا استخدام اسم مكة في الاتفاق، معتبراً أن ربط المدينة المقدسة بترتيبات عسكرية تفتح الباب أمام حرب بين دول وشعوب مسلمة يتعارض مع دلالتها الدينية، محذراً النواب من التصويت لصالح الاتفاق وإرسال الجنود الأتراك إلى اليمن.
كما شدد رئيس حزب العمال التركي إركان باش على رفضه الاتفاق، قائلاً إن الحكومة تستخدم قداسة مكة لمنحه حصانة سياسية ودينية من النقاش، ومتهماً السعودية بالتحرك في المنطقة ضمن سياسات مرتبطة بواشنطن وتل أبيب.
وتساءل باش: “ما مشكلتنا مع الشعب اليمني، وما الذي فعله ضد المصالح التركية؟”، مؤكداً أن حزبه سيعارض الاتفاق ويصوت ضده، ورافضاً تعريض حياة الجنود الأتراك للخطر في صراع لا يرى أنه يخدم المصالح الوطنية لتركيا.
بدوره، أعلن رئيس حزب السعادة محمود أريكان رفض الاتفاق بصيغته الحالية، مؤكداً أن مهمة تركيا ليست إنشاء جبهة بين دولتين مسلمتين أو تسليحهما ضد بعضهما، وأن حماية مكة -إذا كانت هي الذريعة- ينبغي أن تبدأ بحماية فلسطين وغزة والقدس.
وقال أريكان إن التحالفات الإقليمية يجب ألا تتحول إلى أدوات تخدم حسابات الولايات المتحدة أو الاحتلال الإسرائيلي، مؤكداً أن حزبه لن يتحمل مسؤولية الموافقة على الاتفاق بصورته الراهنة. وقد أعلن حزب السعادة رسمياً رفضه للصيغة الحالية للاتفاق قبيل مناقشته في البرلمان.
كما تساءل رئيس حزب المفتاح يافوز أغير علي أوغلو عن طبيعة التهديد الذي تقول الحكومة إنها تريد مواجهته عبر الاتفاق، مطالباً بتوضيح سبب عدم توجيه مثل هذه التحالفات لحماية غزة من العدوان الإسرائيلي بدلاً من الانخراط في ترتيبات عسكرية قد تضع تركيا في مواجهة مع اليمن.
وتكشف هذه المواقف عن اتساع الجدل داخل تركيا حول البعد اليمني للاتفاق، خصوصاً بعدما أصبحت مسألة تقديم دعم عسكري للسعودية ونشر قوات تركية محوراً للنقاش السياسي. وكانت تقارير تركية قد أشارت إلى أن أي تعزيزات عسكرية إضافية تتطلب موافقة البرلمان، بينما أكدت الحكومة أن الاتفاق ذو طبيعة دفاعية.
وكانت السعودية وتركيا وباكستان قد وقعت “اتفاق مكة للدفاع المشترك” في 7 أغسطس 2026، قبل أن تبدأ الدول الثلاث خطوات مأسسة التعاون العسكري والدفاع الجماعي. وينص الإطار المعلن للاتفاق على اعتبار الاعتداء على أحد الأطراف اعتداءً على الجميع، في حين لم يُنشر النص الكامل للاتفاق للرأي العام.
وبينما تتمسك أنقرة رسمياً بأن الاتفاق دفاعي وليس موجهاً لشن حرب على دولة أخرى، فإن المواقف المعارضة داخل البرلمان والأحزاب التركية تركز على خطر انزلاق تركيا إلى مواجهة مباشرة في اليمن، وتطالب بعدم تحويل الجيش التركي إلى طرف في الحرب الدائرة بين صنعاء والسعودية.
