تشهد الأراضي الفلسطينية تصعيداً متزامناً في الضفة الغربية وقطاع غزة، مع اتساع اعتداءات المستوطنين تحت حماية قوات الاحتلال، واستمرار الاقتحامات العسكرية، والتوسع الاستيطاني، واستهداف مؤسسات الأونروا، بالتوازي مع غارات وقصف جديد على مناطق متفرقة من القطاع.
وفي قرية قصرة جنوب نابلس، تصاعد التوتر مع هجوم مستوطنين على منازل فلسطينية محاصرة في منطقة جبل رأس العين، ما أدى إلى تسجيل أربع إصابات بالاختناق بالغاز، فيما اقتحمت قوات الاحتلال المنطقة وعززت انتشارها العسكري حول المنازل المستهدفة.
ويعيش سكان ثلاثة منازل في المنطقة تحت حصار يدخل يومه الحادي والعشرين، بعد إقامة بؤرة استيطانية قربها قبل نحو ثمانية أشهر، بينما حول جيش الاحتلال المنطقة إلى ما يسميه “منطقة عسكرية مغلقة”، رغم استمرار المستوطنين في دخولها وتنفيذ اعتداءاتهم.
وقال شهود عيان إن عشرات المستوطنين حاصروا فلسطينيين داخل أحد المنازل، وإن الهجوم تم بحماية قوات الاحتلال، فيما أكد الهلال الأحمر الفلسطيني تعرض مركبة إسعاف للاعتداء أثناء محاولتها الوصول إلى منزل محاصر.
وامتدت الاعتداءات إلى جالود والمغير وعرب الكعابنة ومناطق أخرى في رام الله ونابلس، حيث أصيب صحفيون وفلسطينيون وناشطون أجانب جراء اعتداءات المستوطنين، كما سجلت إصابات بالرصاص خلال مواجهات مع قوات الاحتلال.
وفي المقابل، اتسعت الاقتحامات العسكرية خلال ساعات الليل والفجر، حيث اقتحمت قوات الاحتلال صانور جنوب جنين، مخيم الأمعري، أريحا، بيتونيا، ومناطق أخرى، ونفذت حملات اعتقال ومداهمة للمنازل، فيما أصيب فلسطينيون خلال المواجهات في مخيم الأمعري.
وترافقت هذه الاعتداءات مع تحذيرات داخل المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها من احتمال انفجار أوسع في الضفة، إذ أفادت القناة 13 الإسرائيلية بأن الأجهزة الأمنية سجلت نحو 70 حادثة احتكاك وعنف مرتبطة بالمستوطنين، فيما وصف مسؤولون عسكريون الظاهرة بأنها مشكلة أمنية متصاعدة.
وفي الخليل، يتقدم المشروع الاستيطاني بوتيرة متسارعة، مع بدء نقل عائلات استيطانية إلى مستوطنة “كرميه يهودا”، في إطار مشروع أوسع لربط مجموعة من المستوطنات والبؤر غرب وجنوب غرب المحافظة.
وتكشف خرائط التوسع الجديدة أن الاحتلال يعمل على ردم المساحات الفاصلة بين المستوطنات القائمة والجديدة لخلق حزام استيطاني متصل يمتد عبر مناطق واسعة غرب الخليل، بما يفرض وقائع جغرافية جديدة ويقيد حركة الفلسطينيين ويقطع التواصل بين تجمعاتهم.
وبالتوازي مع ذلك، تواصل سلطات الاحتلال استهداف مؤسسات الأونروا في القدس، حيث بقي معهد قلنديا للتدريب المهني تحت سيطرة فعلية إسرائيلية بعد إغلاق أبوابه وتركيب كاميرات داخله، رغم انسحاب القوات من المبنى.
وأكدت الأونروا أن قوات الاحتلال نفذت أنشطة غير قانونية داخل المعهد وألحقت أضراراً بمرافقه، فيما تحدث مسؤولون فلسطينيون عن استمرار السيطرة الإسرائيلية على الموقع ومحاولات تغيير طابعه ووظيفته.
ويعد المعهد، الذي تأسس عام 1952، واحداً من أهم مراكز التدريب المهني للاجئين الفلسطينيين، وقد خرّج أكثر من 40 ألف طالب، ما يجعل استهدافه جزءاً من سياسة أوسع تضرب مؤسسات الأونروا التعليمية والخدمية في القدس.
أما في قطاع غزة، فتواصل القصف الإسرائيلي خلال اليوم، حيث أطلقت آليات الاحتلال النار على المناطق الشرقية لمدينة غزة وجنوب شرق مخيم المغازي، بينما ألقت طائرات مسيرة من نوع “كواد كابتر” قنابل خلف مستشفى كمال عدوان شمال القطاع.
وسجلت مستشفيات القطاع شهيداً في وسط غزة منذ ساعات الصباح، فيما سقط جرحى في منطقة المواصي بخان يونس، وتعرضت مناطق شمال شرق مخيم البريج لقصف مدفعي، تزامناً مع غارتين غرب مدينة غزة.
وفي حي تل الهوا غرب غزة، استهدف الطيران الإسرائيلي دراجة “تكتك”، ما أدى إلى استشهاد فلسطيني وإصابة آخرين، أحدهم بحالة خطرة.
كما استهدف القصف الإسرائيلي مخزناً للأدوية داخل مستشفى شهداء الأقصى في دير البلح، ما أدى إلى إصابة أربعة أشخاص، في حادثة جديدة تطال منشأة صحية ومخزوناً دوائياً حيوياً وسط الظروف الإنسانية الصعبة في القطاع.
وتكشف مجمل هذه التطورات عن مشهد فلسطيني شديد الخطورة، حيث تتكامل اعتداءات المستوطنين، الاقتحامات العسكرية، التوسع الاستيطاني، استهداف المؤسسات الأممية، والقصف المستمر في غزة ضمن سياسة ضغط متصاعدة تهدف إلى فرض وقائع جديدة بالقوة.
وتبدو الضفة الغربية أمام مرحلة قابلة للانفجار، مع اعتراف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية نفسها بتصاعد خطر عنف المستوطنين، في وقت يستمر فيه الاحتلال في توسيع المستوطنات وفرض الحصار على القرى والمنازل، بينما يبقى قطاع غزة تحت القصف والاستهداف اليومي، بما يعمق المشهد الإنساني والسياسي الأكثر تعقيداً في الأراضي الفلسطينية.
