ذات صلة

الأكثر مشاهدة

بعد إسقاط مادورو.. واشنطن تنتقل إلى الغنيمة: سيطرة أمريكية على 65 مليار برميل من نفط فنزويلا لعقود

دخلت فنزويلا مرحلة جديدة من الهيمنة الأمريكية على قطاعها النفطي، بعدما انتقلت إدارة الرئيس دونالد ترمب من التفاوض على الوصول طويل الأمد إلى الحقول إلى إعلان اتفاق يمنح الولايات المتحدة سيطرة أغلبية على أصول نفطية تحتوي على أكثر من 65 مليار برميل من الاحتياطيات المؤكدة.

وأعلن ترمب أن الاتفاق يمثل، وفق وصفه، “أكبر صفقة نفطية في تاريخ العالم”، بينما تشير التفاصيل الأولية إلى إنشاء شراكة تضم الحكومة الأمريكية وشركات خاصة وفنزويلا، بما يمنح واشنطن نفوذاً مباشراً وغير مسبوق على جزء ضخم من الثروة النفطية للدولة صاحبة أكبر احتياطي خام مؤكد في العالم.

وكانت المفاوضات قبل الإعلان النهائي تشمل أكثر من عشرة حقول نفطية تحتوي مجتمعة على نحو 90 مليار برميل من الاحتياطيات، تتركز خصوصاً في حزام أورينوكو ومنطقة بحيرة ماراكايبو، قبل أن يستقر الاتفاق المعلن مبدئياً على السيطرة على حقول تضم أكثر من 65 مليار برميل.

والأكثر إثارة للجدل أن أحد النماذج القانونية التي نوقشت خلال المفاوضات كان عقد إيجار يمتد لمئة عام لعدد من الحقول النفطية، وهي صيغة من شأنها، إذا بقيت ضمن الترتيبات النهائية، منح الولايات المتحدة نفوذاً ممتداً لأجيال على جزء من أهم الموارد الاستراتيجية الفنزويلية.

وتملك فنزويلا نحو 303 مليارات برميل من الاحتياطيات النفطية المؤكدة، وهي الأكبر عالمياً، ما يجعل الاتفاق يتجاوز صفقة استثمار تجارية عادية إلى إعادة توزيع ضخمة للسيطرة على أحد أهم مخازن الطاقة العالمية.

وتأتي الخطوة بعد التحول السياسي الكبير الذي شهدته فنزويلا عقب إطاحة نيكولاس مادورو واعتقاله في يناير، وصعود حكومة انتقالية تقودها ديلسي رودريغيز، التي دخلت في مفاوضات مباشرة مع واشنطن بشأن مستقبل القطاع النفطي.

وبحسب التصور الأمريكي، ستتولى شركات خاصة، وفي مقدمتها الشركات الأمريكية، تطوير الحقول وضخ استثمارات جديدة فيها، بينما تحصل الولايات المتحدة على حصة ملكية وضمانات للحصول على كميات من الخام بأسعار وترتيبات طويلة الأجل، بما يعزز أمن الطاقة الأمريكي ويقلص الاعتماد على مصادر خارج المجال الذي تهيمن عليه واشنطن.

غير أن الاتفاق فجّر اعتراضات واسعة داخل الأوساط السياسية والاقتصادية الفنزويلية، بما في ذلك أطراف معارضة لمادورو، التي رأت فيه تنازلاً عن السيادة الوطنية على الموارد الطبيعية وليس مجرد انفتاح استثماري.

وحذر اقتصاديون وسياسيون فنزويليون من أن الحكومة الانتقالية قد لا تمتلك، من وجهة نظرهم، الشرعية الدستورية اللازمة لإبرام اتفاق بهذه الضخامة والمدة، فيما وُصفت الترتيبات المقترحة بأنها “افتراسية” و”غير دستورية”.

وقارن مؤرخ الطاقة غريغوري برو الاتفاق المحتمل بأنظمة الامتيازات النفطية التي منحت شركات غربية نفوذاً واسعاً على نفط الشرق الأوسط في بدايات القرن العشرين، معتبراً أن السيطرة على الخام الفنزويلي تمنح واشنطن أداة مزدوجة: تأمين احتياجاتها من الطاقة وإبعاد الصين وروسيا عن واحد من أكبر الاحتياطيات في العالم.

وتتضح الأبعاد الجيوسياسية للصفقة أكثر في ظل اضطراب أسواق الطاقة والحرب مع إيران ومخاطر مضيق هرمز، إذ تسعى واشنطن إلى بناء مصدر ضخم للخام يقع بالكامل داخل النصف الغربي من الكرة الأرضية ولا يعتمد على الممرات البحرية التي يمكن لخصومها التأثير فيها.

كما ينسجم الاتفاق مع ما تصفه إدارة ترمب بسياسة “دونرو” لإعادة فرض الهيمنة الأمريكية على أمريكا اللاتينية ومنع الصين وروسيا من بناء موطئ قدم اقتصادي واستراتيجي واسع في المنطقة.

ويكشف المشهد مفارقة سياسية لافتة؛ فبينما كان التدخل الأمريكي في فنزويلا يُقدّم تحت عناوين التحول السياسي والديمقراطية، أصبح النفط هو الملف الأكثر تقدماً ووضوحاً في ترتيبات ما بعد مادورو، في حين لا يزال الجدول الزمني للانتخابات ومستقبل النظام السياسي أقل وضوحاً.

وما يجري في فنزويلا يتجاوز إعادة تأهيل صناعة نفطية متداعية إلى إعادة صياغة ملكية ونفوذ استراتيجي على عشرات مليارات البراميل. وإذا استقرت الصيغة النهائية على سيطرة أمريكية طويلة الأمد وعقود تمتد لعقود أو قرن، فإن فنزويلا ستكون أمام واحدة من أكبر عمليات نقل النفوذ على ثروة وطنية في العصر الحديث، فيما تحصل واشنطن على قاعدة نفطية هائلة تعزز نفوذها في أسواق الطاقة وفي كامل النصف الغربي من الكرة الأرضية.

spot_imgspot_img