“خاص”
دخلت “معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، التي أعلنتها القوات المسلحة اليمنية ردًا على التصعيد السعودي والقيود المفروضة على مطار صنعاء الدولي، مرحلة متقدمة من التأثير، مع تعطل آلاف الرحلات وتصاعد التحذيرات الدولية وتأجيل فعاليات اقتصادية ورياضية ودبلوماسية كبرى.
وكشفت بيانات شركة “سيريوم”، المنشورة في خليج تايمز يوم 15 أكتوبر، تعطل أكثر من 4 آلاف رحلة مغادرة من أصل 8,883 رحلة مجدولة بالمطارات السعودية خلال الفترة من 8 إلى 15 أكتوبر، بنسبة تقارب 46%، بالتزامن مع تحذيرات صادرة عن 18 دولة واضطرابات طالت 24 شركة طيران.
مطار الرياض في قلب المواجهة الجوية
تصدّر مطار الملك خالد الدولي بالرياض قائمة المطارات المتأثرة، عقب هجمات أعلنت القوات المسلحة اليمنية مسؤوليتها عن عدد منها.
وأقرت هيئة الطيران المدني السعودية، في 9 أكتوبر، بتعرض المطار لهجومين يوم 8 أكتوبر استهدفا مرافقه وطائرة للخطوط السعودية، وأوقعا قتلى ومصابين وأضرارًا مادية. وبعد استئناف التشغيل، أدت هجمات 10 و11 أكتوبر إلى إغلاقه مجددًا، وفق إشعار ملاحي حدد 17 أكتوبر موعدًا لنهاية الإغلاق المعلن.
وسجل المطار تعطل 353 رحلة من أصل 354 يوم 11 أكتوبر، بنسبة 99.72%، و298 رحلة من أصل 366 يوم 15 أكتوبر، بنسبة 81.42%، مستحوذًا على أكثر من نصف الرحلات المتوقفة بالمملكة خلال اليوم الأخير.
اضطرابات تمتد إلى المطارات السعودية
امتد التعطل إلى مطارات الدمام وجدة وأبها وجيزان ونجران والطائف والمدينة المنورة.
ففي 15 أكتوبر، توقفت 60 رحلة بالدمام بنسبة 45.8%، و87 بجدة، و24 بالمدينة المنورة، و20 بأبها بنسبة 45.45%، إضافة إلى ثلاث رحلات بجيزان ورحلتي المغادرة المجدولتين بنجران.
ويعكس امتداد الإلغاءات إلى مطارات لم تُستهدف مباشرة تأثر شبكة الطيران السعودية بالإجراءات الاحترازية والترابط التشغيلي بين المطارات.
احتراق طائرة وإبعاد أساطيل بمليارات الدولارات
أكدت السلطات السعودية تضرر طائرة للخطوط السعودية خلال هجوم 8 أكتوبر، فيما أفادت تقارير دولية باحتراق طائرة وخروجها من الخدمة، وتضرر طائرات أخرى، بينها بوينغ 787 تابعة لطيران الرياض.
وكشفت وول ستريت جورنال، في 15 أكتوبر، أن شركات الطيران السعودية سارعت إلى إبعاد طائرات تصل قيمتها إلى 4 مليارات دولار عن مطار الرياض، مع انخفاض عدد الطائرات الموجودة فيه من 134 إلى 38 طائرة بحلول 14 أكتوبر.
ونقلت الصحيفة عن تقرير تأميني تضرر ست طائرات، بينها واحدة بخسارة كلية، بقيمة تأمينية مجمعة تبلغ 375 مليون دولار، فضلًا عن تكاليف تعطيل التشغيل ونقل الأساطيل وارتفاع المخاطر التأمينية، دون أن تمثل هذه القيم خسائر مالية محققة بالكامل.
القوات المسلحة اليمنية تؤكد استمرار المعادلة
جدد المتحدث الرسمي للقوات المسلحة اليمنية، العميد يحيى سريع، في 11 أكتوبر، تحذيره لشركات الطيران والملاحة والعاملين والمسافرين من استخدام المطارات والأجواء السعودية المشمولة بالعمليات، مع استثناء أجواء مكة المكرمة والمدينة المنورة.
وأكد استمرار “معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد”، التي تربط فيها صنعاء القيود المفروضة على مطارها الدولي بضغوط مقابلة على قطاع الطيران السعودي.
تحذيرات 18 دولة تكشف اتساع المخاطر
أصدرت 18 دولة تحذيرات سفر وتحديثات أمنية بشأن السعودية، بعضها متكرر، بمستويات متفاوتة:
تحذيرات مشددة: رفعت أستراليا ونيوزيلندا التحذير إلى “لا تسافر”، وبولندا إلى المستوى الرابع، فيما أوصت كوريا الجنوبية مواطنيها بالمغادرة.
تجنب السفر غير الضروري: شملت التحذيرات، بنطاقات ومستويات مختلفة، بريطانيا وألمانيا وفرنسا وكندا وهولندا والنرويج والدنمارك والسويد واليابان. ووسعت بريطانيا تحذيرها في 16 أكتوبر ليشمل تجنب السفر غير الضروري إلى السعودية عمومًا، مع نصح المغادرين بدراسة السفر عبر دول مجاورة، فيما رفعت اليابان مستويات المخاطر بمختلف المناطق.
تحذيرات إضافية: أبقت الولايات المتحدة تحذير السفر عند المستوى الثالث «إعادة النظر في السفر»، مع تحديث إرشاداته يوم 12 أكتوبر، ودعت سنغافورة إلى تأجيل جميع الرحلات، بينما أصدرت الهند وإيطاليا وبلجيكا تنبيهات أمنية، بينها تحذيرات هندية متكررة للمسافرين والمعتمرين.
اضطرابات تطال 24 شركة طيران
شملت الإلغاءات والتعليقات والتعديلات التشغيلية 24 شركة على الأقل، بينها 13 دولية و7 عربية و4 سعودية، مع اختلاف مواعيد القرارات وطبيعتها.
الشركات الدولية: علقت لوفتهانزا رحلات الرياض حتى 18 نوفمبر، وإير فرانس وKLM رحلات محددة حتى نهاية أكتوبر، وإير إنديا وإير إنديا إكسبريس حتى 20 أكتوبر، وإنديغو وأكاسا إير حتى مواعيد بين 21 و24 أكتوبر. كما تأثرت الخطوط الفلبينية والماليزية وفلاي جناح والخطوط السريلانكية.
وكانت كاثي باسيفيك قد أعلنت يوم 28 سبتمبر، قبل التصعيد الأخير، تعليق رحلات الرياض حتى 31 يناير 2027، بينما أعلنت دلتا الأمريكية يوم 12 أكتوبر تأجيل تدشين خط أتلانتا–الرياض، الذي لم يبدأ تشغيله بعد، إلى مارس 2027.
الشركات العربية: شملت الإلغاءات والتعليقات الاتحاد للطيران والخطوط القطرية وطيران الخليج وطيران الإمارات وفلاي دبي والعربية للطيران والطيران العُماني، بنسب ومدد متفاوتة.
الشركات السعودية: سجلت الخطوط السعودية وطيران ناس وطيران أديل وطيران الرياض تعطل 410 رحلات مغادرة يوم 15 أكتوبر، بواقع 224 و96 و77 و13 رحلة على التوالي.
إلغاء فعاليات دولية يهدد ثقة المستثمرين
كشفت نيويورك تايمز، في تقرير 16 أكتوبر، تأثير الهجمات اليمنية في الفعاليات الرياضية والتجارية، وما تثيره اضطراباتها من مخاوف بشأن ثقة المستثمرين باستقرار البيئة الاقتصادية السعودية.
وأكدت فايننشال تايمز ورويترز تأجيل القمة الخليجية الأوروبية المقررة بالرياض يوم 24 أكتوبر، وبطولة السعودية الدولية للغولف البالغة جوائزها 5 ملايين دولار، وبطولة الملوك الستة للتنس ونهائيات FIFAe، وإلغاء بطولة العالم للدراجات الحضرية ومنتدى مسك العالمي 2026.
كما كشفت رويترز عن التوجه لإتاحة المشاركة عن بُعد في مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار FII، فيما أفادت فايننشال تايمز بغياب قيادات إكسون موبيل وشل وتوتال إنرجيز وBP عن مؤتمر للطاقة بالرياض، وسط اضطرابات السفر.
وحذرت وول ستريت جورنال وواشنطن بوست من التداعيات على السياحة والاستثمار، بينما رأى تحليل لـرويترز بريكينغ فيوز أن التصعيد يهدد مستهدف السعودية جذب 100 مليار دولار سنويًا من الاستثمارات الأجنبية المباشرة بحلول 2030، مقابل تدفقات صافية بلغت نحو 33 مليار دولار في 2025.
فاعلية المعادلة اليمنية.. من حصار مطار صنعاء إلى كلفة تعطيل المطارات السعودية
تكشف آلاف الرحلات المتوقفة والتحذيرات الدولية وتأجيل الفعاليات الكبرى أن تداعيات “معادلة الحصار بالحصار والتصعيد بالتصعيد” تجاوزت الاستهداف المباشر إلى تكاليف تشغيلية وضغوط اقتصادية واستثمارية، مع استمرار تعليق بعض الرحلات إلى ما بعد 17 أكتوبر.
وفي حسابات صنعاء، تقوم المعادلة على مقابلة استمرار القيود على مطار صنعاء الدولي بضغوط اقتصادية على قطاع الطيران السعودي، بحيث لا تبقى تبعات الحصار محصورة في اليمن. ويعزز اتساع الإلغاءات والمخاطر التأمينية واضطراب الفعاليات الدولية فاعلية هذه الورقة للضغط باتجاه رفع القيود، فيما يظل تحقيق نتائج سياسية فعلية مرهونًا بمسار المواجهة والتسوية، مع بقاء المخاطر الإنسانية والقانونية لاستهداف المنشآت والطائرات المدنية.
