تتجاوز عودة علي شمخاني إلى صدارة المشهد الإيراني كونها مجرد إعادة تموضع لشخصية سياسية مخضرمة، لتُقرأ باعتبارها مؤشراً على إعادة تشكيل موازين القوة داخل النظام قبيل مرحلة ما بعد المرشد الأعلى آية الله السيّد علي خامنئي. فتموضعه على رأس “مجلس الدفاع” المستحدث، وتقاطعه مع نفوذ محمد باقر قاليباف، وشبكاته الأمنية والمالية العابرة للمؤسسات، وعلاقاته الإقليمية، كلها تعكس سعياً لتأطير انتقال سياسي مُدار تُعاد فيه هيكلة السلطة ضمن صيغة تعزّز الطابع الأمني للنظام وتشدّد مركزية القرار، بما يضمن استمرارية النخب في ظل تصاعد الضغوط الداخلية والخارجية.
في النقاشات السياسية الداخلية الإيرانية – بين الجد والمزح – يشير بعض المراقبين إلى ما يسمونه “قانون الحفاظ على النخب”. ففي نظام الجمهورية الإسلامية، نادراً ما تتبوأ الصدارة نخب سياسية جديدة، كما نادراً ما تختفي تماماً الشخصيات الراسخة؛ إذ يجري في العادة نقل القادة المخضرمين من موقع إلى آخر. غير أن هذا المبدأ لا يُطبق على الجميع، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأطراف من “التيار الإصلاحي” الذين جرى إقصاؤهم تدريجياً خلال العقدين الماضيين. ويبدو شمخاني – العربي الأصل من خوزستان – مثالاً لافتاً لهذه الديناميكية؛ فهو قائد سابق بارز في الحرس الثوري شغل منصب وزير الدفاع وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، ثم عاد اليوم عبر بوابة مؤسسية جديدة.
في مطلع شباط/فبراير الجاري أُعلن تعيين شمخاني أميناً لـ**“مجلس الدفاع”** الذي تأسس عقب حرب “الأيام الـ12” مع إسرائيل بهدف صياغة وتنسيق السياسات العسكرية–الدفاعية. ورغم أن أعضاء المجلس كانوا معروفين للعامة، لم يُكشف عن اسم أمينه، ليتبين لاحقاً أن التعيين يعود إلى شهر على الأقل وأن القرار كان إبقاء الأمر طي الكتمان. ويكتسب توقيت الكشف عن هذا المنصب دلالة سياسية خاصة، إذ جاء قبيل الجولة الأخيرة من المحادثات الدبلوماسية بين واشنطن وطهران، وسط تزايد المخاوف من تجدد المواجهة العسكرية، وتزامناً مع عودة شمخاني للظهور العلني منذ أواخر 2025 بتصريحات تمس ملفات عسكرية ودبلوماسية في آن واحد.
ففي أواخر كانون الأول/ديسمبر ألمح شمخاني إلى احتمال إدخال عنصر “استباقي” في الاستراتيجية العسكرية الإيرانية، محذراً من أن طهران ستتعامل مع أي تلميح بالتهديد على أنه تهديد فعلي وستتخذ الإجراءات اللازمة، قبل أن تتكرر تلك المواقف في بيان رسمي للمجلس المستحدث. كما دخل شمخاني على خط الجدل حول التفاوض مع واشنطن محدداً معايير للاتفاق الذي يراه “مرغوباً”، أبرزها أن تبقى المحادثات محصورة – وبشكل صارم – في الملف النووي فقط، وأن لا يكون هناك أي نوع من الموافقة على نقل اليورانيوم المخصب إلى خارج إيران. وإضافة إلى ذلك، ظهر شمخاني بالزي العسكري للمرة الأولى منذ سنوات مؤكداً أن إيران جاهزة للحرب في حال فشلت الدبلوماسية. ويصعب تفسير هذا التسلسل بوصفه محض صدفة، ما يطرح سؤالاً مركزياً: ماذا يريد شمخاني من مناوراته السياسية والإعلامية الأخيرة؟
إن فهم تموضع شمخاني يصبح أدق إذا وُضع ضمن البنية المؤسسية التي يشغل موقعاً فيها. فـ“مجلس الدفاع” ليس هيئة رمزية، رغم حداثة تأسيسه التي قد تبدو مؤقتة للوهلة الأولى. إنشاؤه جاء بعد الضربات القاسية التي وُجهت إلى هيكل القيادة والبنية التحتية العسكرية الإيرانية خلال حرب الـ12 يوماً في حزيران/يونيو، وعكس إدراكاً متنامياً لدى قيادة الجمهورية الإسلامية بأن البقاء تحت ضغط عسكري مستمر يقتضي تنسيقاً أوثق وأكثر انتظاماً. وقد صُمم المجلس – في جوهره – منصة تربط بين الاعتبارات العسكرية العملياتية وصنع القرار السياسي عند المستويات العليا في الحكم، وبإبراز دوره على رأسه يبدو شمخاني عازماً على تأكيد موقعه بوصفه “حلقة الوصل” بين هذين المجالين في وقت يتزايد فيه خطر الحرب من جديد.
وتنبع أهمية هذا الدور أيضاً من أن وظيفة “الربط” هذه ارتبطت تقليدياً بأمين المجلس الأعلى للأمن القومي؛ وهو المنصب الذي شغله شمخاني بين 2013 و2023، ويشغله حالياً علي لاريجاني. تاريخياً، كان مجلس الدفاع الأعلى يعمل خلال الحرب الإيرانية–العراقية ثم حُل لاحقاً، وقد أدت إعادة تأسيسه في صيف 2025 إلى وضعه مؤسسياً تحت إشراف المجلس الأعلى للأمن القومي بدلاً من أن يكون موازياً له. وفي ذلك الوقت قيل إن عضويته شملت رؤساء السلطات الثلاث، وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي، وكبار قادة الجيش والحرس الثوري، ووزير الاستخبارات، وقائد مقر خاتم الأنبياء المركزي، مع مشاركة شمخاني وأمين المجلس الأعلى السابق علي أكبر أحمديان كممثلين عن المرشد الأعلى. لكن بعض المصادر الإيرانية تشير إلى أن وضع المجلس عُدّل سريعاً؛ فبإصرار من رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وبموافقة خامنئي أصبح المجلس مستقلاً عن المجلس الأعلى للأمن القومي، وعُيّن شمخاني أميناً عاماً له، ولم يُعلن ذلك حينه لأسباب إجرائية وتفادياً لإظهار احتكاكات داخلية.
غير أن الحضور الإعلامي اللافت لشمخاني يوحي بأن حساباته قد تتجاوز الإطار التنظيمي البحت، وهنا يبرز دور قاليباف، القائد السابق في الحرس الثوري الذي انتقل إلى السياسة. فالشراكة بين الرجلين قديمة، والتعاون بينهما في كبح نفوذ خصوم مشتركين وإقصائهم كان واضحاً منذ تولي شمخاني الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي. وتجسدت ثمرة هذا التنسيق في تشريع عام 2020 المعروف بـ**“قانون العمل الاستراتيجي لرفع العقوبات وحماية حقوق الشعب الإيراني”**، الذي قيد هامش مناورة حكومة حسن روحاني في مسار إحياء الاتفاق النووي لعام 2015. ورغم تقديم القانون بوصفه أداة لحماية السيادة، فإنه عملياً قلّص المرونة الدبلوماسية وأغلق الباب أمام استعادة روحاني والتيار الإصلاحي المعتدل مواقعهم السياسية، وهو هدف يُقال إن الرجلين بلغا منه قدراً كبيراً.
ويبدو الآن أن تقارباً مماثلاً يتبلور في دعم شمخاني وقاليباف لتعزيز النفوذ المؤسسي لمجلس الدفاع، وهو دعم ذو دلالة مضاعفة في ظل تصاعد التوترات الخارجية وضبابية المشهد السياسي المرتبط بمرحلة ما بعد خامنئي. وفي ظل اضطرابات داخلية غير مسبوقة وضغوط خارجية متزايدة وخطر الحرب واشتداد المنافسة بين النخب، تصبح قضية “من ينظم الانتقال” أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. ويمتلك شمخاني – وفق الكاتب – رصيداً سياسياً شخصياً في العالم العربي نادراً ما يتوافر لنظرائه في هذه الأجواء، ما يجعل التموضع المتوازي للحليفين القديمين – أحدهما ممسك بالسلطة التشريعية والآخر بهيئة مركزية لصنع القرار العسكري – أقرب إلى سعي منظم لتوسيع النفوذ وترسيخه.
وعند تقييم الطموحات المحتملة لشمخاني، لا يمكن تجاهل سلسلة جدالات وخلافات تورط فيها خلال العام الماضي وحده. ففي تموز/يوليو 2025 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات واسعة على شبكة شحن ونفط يسيطر عليها محمد حسين شمخاني (ابن علي شمخاني المعروف أيضاً باسم “هيكتور”)، ووصفت الشبكة بأنها تحقق أرباحاً من التهرب من العقوبات وتصدير النفط “غير المشروع”، مع التذكير بالعقوبات السابقة المفروضة على شمخاني نفسه عام 2020. وتسلط هذه الحادثة الضوء على تناقض بنيوي داخل الجمهورية الإسلامية: فبعض النخب التي ترفع خطاباً متشدداً ضد العقوبات استفادت في الوقت نفسه من اقتصاد العقوبات، ما غذّى شبكات فساد متصلة بالتجارة والوساطة.
وفي تشرين الأول/أكتوبر 2025 انتشرت صور مسربة لحفل زفاف فاخر لعائلة شمخاني، واعتُبرت مثالاً صارخاً على الامتيازات التي تتمتع بها النخب بينما يواجه المواطنون ضائقة اقتصادية، كما قُرئت دليلاً على فجوة بين الخطاب الأيديولوجي عن التقشف والواقع الاجتماعي للنخبة الحاكمة. أما الجدل الأكثر حساسية فتعلق بملابسات إصابة شمخاني المزعومة خلال الغارات الإسرائيلية في حرب الأيام الـ12؛ إذ أشارت تقارير أولية إلى إصابة خطيرة وبتر أحد الأطراف، لكن ظهوره لاحقاً على التلفزيون الرسمي دون علامات إصابة أثار موجة تكهنات تراوحت بين ادعاءات العلم المسبق بالهجمات وتلميحات إلى ترتيبات حماية خاصة. ومع ذلك، لم يبتعد شمخاني عن الدائرة القريبة من النظام، بل حافظ على قربه من مكتب المرشد واستمر حضوره في اجتماعات رفيعة المستوى معنية بصنع القرار، قبل أن يعود الآن إلى موقع رسمي ضمن إدارة الأزمات، بما يوحي بأن شبكته داخل النظام عميقة ومتجذرة إلى حد يصعّب إحداث ضرر سياسي ملموس به.
ويمتد نفوذ شمخاني – كما يطرح النص – إلى السياسة الخارجية أيضاً. فقد لعب دوراً بارزاً في مسارات إقليمية حساسة، وكان وسيطاً أمنياً في ملفات شديدة التعقيد، وبرز اسمه في تيسير التقارب الإيراني–السعودي عام 2023. ولا يقتصر الأمر على الشرق الأوسط؛ فالشبكات المرتبطة بدائرة نفوذه السياسية والعائلية تتقاطع مع قنوات تجارية ولوجستية مرتبطة بروسيا وتعمل ضمن قطاعات خاضعة للعقوبات. ويشير النص إلى تقرير لـ“بلومبيرغ” عام 2024 تحدث عن شركة مقرها دبي مرتبطة بابنه شاركت في نقل صواريخ ومعدات خاصة بصناعة الطائرات دون طيار وسلع ذات استخدام مزدوج عبر بحر قزوين إلى روسيا، مع تسهيل المدفوعات عبر ترتيبات مقايضة نفط روسية. وتلمّح هذه الروابط إلى أن شمخاني قد يحظى بصلات داعمة داخل روسيا ونفوذ في بعض دوائرها السياسية والتجارية.
ومن منظور أوسع، يجسد شمخاني – بحسب توصيف مراقبين – تياراً داخل الدائرة الأمنية الضيقة للجمهورية الإسلامية يميل إلى نزعة “بونابرتية” ناشئة، بما يفتح باب احتمال صعود شخصية عسكرية–سياسية هجينة تستند إلى دعم مؤسسي لتتبوأ الصدارة بعد خامنئي، وتدفع النظام نحو بنية أقل وضوحاً في أيديولوجيتها لكنها لا تقل تشدداً وربما تزيد. ويطرح النص تشابهاً محتملاً – وإن غير محسوم – مع التجربة الروسية ما بعد الحقبة السوفيتية، حين أعادت النخب الأمنية تشكيل نفسها كوسطاء قوة قوميين داخل دولة استبدادية مُعاد تشكيلها، مع الإشارة إلى أن الأدلة المتاحة لا تكفي للجزم بأن شمخاني وقاليباف يستلهمان هذا النموذج مباشرة. وفي المقابل، يستبعد النص سيناريو “انقلاب كلاسيكي” بقيادة الحرس الثوري لأسباب شخصية ومؤسسية وأيديولوجية، لكنه يرجّح تحوّلاً يتم عبر إعادة هيكلة مؤسسية ذات طابع أمني: توسيع المجالس القائمة، إعادة توزيع السلطة التنفيذية، وتوحيد منصات إدارة الأزمات.
وعليه، لا يكمن السؤال الحاسم – وفق هذه القراءة – في “من يستولي على الدولة من خارج النظام”، بل في “من يعيد تنظيم السلطة من داخله”. ويشير موقع شمخاني الحالي إلى سعيه لاحتلال هذا الحيز التنظيمي تحديداً؛ فسواء كان منسقاً لهيكل انتقالي أمني، أو ضامناً لخليفة محتمل، أو وسيطاً مركزياً في مرحلة تصاعد مخاطر النزاع، يبدو أنه يعمل على ترسيخ نفسه كعنصر لا غنى عنه في مسارات طارئة متعددة. ومع ذلك، يترك النص أسئلة مفتوحة: هل تسمح الضغوط المتداخلة للنظام بوقت كاف لتطور مشروع كهذا؟ وهل طوّرت شخصيات مثل شمخاني قنوات سرية خارج الشركاء التقليديين سعياً وراء “موافقة ضمنية” أميركية على انتقال داخلي مُدار؟ وما الدور الذي قد تلعبه إسرائيل وجهات إقليمية أخرى مثل تركيا؟ في الوقت الراهن، تبقى هذه الأسئلة بلا إجابات، وتظل التطورات اللاحقة – وحدها – كفيلة بتحديد ما إذا كانت عودة شمخاني مجرد استعادة دور داخل بنية إدارة الأزمة، أم خطوة محسوبة ضمن معركة ترتيب ما بعد خامنئي.
ـــــــــــــــــــــــ
بقلم: حميد رضا عزيزي
ترجمة: منى فرح
