ذات صلة

الأكثر مشاهدة

قاليباف: لا أمن بالقواعد الأمريكية ولا سلام على حساب فلسطين وتفاهمات إسلام آباد إعلان فشل لأمريكا

رسم رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، خلال اجتماع اتحاد البرلمانات الإسلامية، ملامح مرحلة إقليمية جديدة تقوم على قاعدة واضحة: أمن المنطقة لا يُستورد من الخارج، ولا يُبنى على القواعد الأجنبية، ولا يتحقق بإضعاف دولة لمصلحة أخرى. وجاءت تصريحاته في سياق سياسي شديد الحساسية، بعد الحرب العدوانية على إيران، ودخول التفاهمات الإقليمية مساراً جديداً شمل لبنان، هرمز، وفلسطين.

وأكد قاليباف أن طهران تمد يد الأخوة والتعاون إلى جميع دول المنطقة، وتبدي استعدادها لإبرام اتفاقيات أمنية مع مختلف الدول، على أساس عدم التدخل في الشؤون الداخلية واحترام السيادة، مشدداً على أن أمن أي طرف لا يجوز أن يقوم على انعدام أمن الآخرين.

وفي موقف لافت، ربط قاليباف بين أمن إيران وأمن لبنان، مؤكداً أن وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب في لبنان مهمان لإيران بنفس أهمية وقف إطلاق النار وإنهاء الحرب على إيران. وهذه العبارة تعكس مركزية لبنان في الحسابات الإيرانية، وتؤكد أن معادلة المقاومة لم تعد تقبل عزل الساحات أو ترك لبنان تحت ضغط العدوان الإسرائيلي.

وشدد رئيس البرلمان الإيراني على أن فلسطين ليست مجرد قضية سياسية أو دبلوماسية، بل قضية حق وعدالة وهوية، محذراً من أن أي سلام مبني على الظلم سيؤدي إلى انعدام أمن واسع النطاق. وبهذا الموقف، أعاد قاليباف التأكيد أن الاستقرار الإقليمي لا يمكن أن يقوم فوق جراح الشعب الفلسطيني، ولا عبر تجاوز حقوقه أو تكريس الاحتلال.

وتحدث قاليباف عن الحرب العدوانية التي استهدفت إيران على مدى 40 يوماً، واصفاً إياها بأنها “عمل إجرامي” لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل محاولة منظمة لتغيير موازين المنطقة الاستراتيجية وفرض الإرادة على شعب حر. وأكد أن العدو ظن أنه يستطيع إجبار الشعب الإيراني على التراجع عبر الضغط العسكري والحصار والإجراءات الإرهابية، لكن النتائج جاءت مناقضة تماماً لحساباته.

وقال قاليباف إن الشعب الإيراني أثبت أن زمن فرض الإرادة على الشعوب المستقلة قد انتهى، وأن الحرب المفروضة كشفت حقيقة أساسية مفادها أن مقاومة الشعوب وصمودها يمثلان القوة الحقيقية التي تربك حسابات المعتدين، وتسقط مشاريعهم مهما امتلكوا من أدوات عسكرية وإعلامية وسياسية.

وفي قراءته للنتائج السياسية للحرب، أكد قاليباف أن السلام المستدام لا ينتج عن الاستسلام والضغط والذل، بل يتحقق عبر الاقتدار والعزة والاحترام. واعتبر أن انتصار الشعب الإيراني يوجه رسالة مهمة إلى مسلمي العالم، مفادها أن حفظ الاستقلال والعزة الوطنية مرهون بالإيمان، وبالتمسك بتعاليم الإسلام الإنسانية والبنّاءة، وبالاستناد إلى إرادة الشعوب لا إلى وعود القوى الكبرى.

كما شدد على أن الدبلوماسية لا تكون مستدامة وفاعلة إلا عندما تقوم على الاحترام والمساواة والاعتراف بحقوق الدول، وتستند إلى دعم الشعوب. ومن هذا المنطلق، وصف تفاهم إسلام آباد بأنه لم يكن نتيجة ضغط أو إكراه، بل ثمرة مقاومة واقتدار الشعب الإيراني الشجاع.

واعتبر قاليباف أن تفاهم إسلام آباد أظهر أن الحوار لا يصل إلى نتيجة إلا عندما يتخلى الطرف المقابل عن محاولة فرض إرادته على شعب متمدّن، ويعترف بحقوقه. ولهذا رأى أن المذكرة تحولت إلى “إعلان فشل لأمريكا”، لأنها كشفت أن واشنطن لم تستطع تحقيق أهدافها عبر الحرب والضغط، واضطرت إلى العودة نحو التفاهم من موقع الاعتراف بقوة إيران وصمودها.

وفي البعد الاستراتيجي، أكد قاليباف أن إيران تعتبر خروج القوات العسكرية الأجنبية من المنطقة هدفاً استراتيجياً، مشدداً على أن التجربة أثبتت أن القواعد الأجنبية لم تصنع أمناً مستداماً، بل كانت مصدر اضطراب وتوتر وعدم استقرار. وهذه الرسالة موجهة بوضوح إلى دول المنطقة التي ربطت أمنها طويلاً بالمظلة الأمريكية، فإذا بها تكتشف أن الوجود الأجنبي لا يحمي السيادة، بل يحول المنطقة إلى ساحة صراع مفتوحة.

وبذلك، قدم قاليباف رؤية إيرانية متكاملة لمرحلة ما بعد الحرب: لا أمن مع الاحتلال، لا استقرار مع القواعد الأجنبية، لا سلام فوق الظلم الفلسطيني، ولا تفاهم حقيقياً دون الاعتراف بحقوق الشعوب المستقلة. وهي رؤية تضع المنطقة أمام خيارين واضحين: إما بناء أمن جماعي بين دولها على أساس السيادة وعدم التدخل، أو البقاء رهينة للمشاريع الأمريكية التي أثبتت الحروب أنها لا تنتج إلا الفوضى.

وتؤكد تصريحات قاليباف أن إيران خرجت من الحرب وهي تسعى إلى تحويل صمودها العسكري والسياسي إلى مشروع إقليمي أوسع، عنوانه أمن المنطقة لأهلها، ودعم لبنان وفلسطين، وإسقاط معادلة الابتزاز والهيمنة. أما الرسالة الأبرز فهي أن الحرب التي أُريد لها أن تكسر إيران، انتهت إلى تثبيت حضورها كقوة مركزية في رسم مستقبل المنطقة.

spot_imgspot_img