دخلت الحرب الأمريكية على إيران مرحلة سياسية أكثر تعقيداً داخل واشنطن، بعدما صوّت مجلس الشيوخ الأمريكي على قرار يستهدف إنهاء أو تقييد العمليات العسكرية التي أطلقها الرئيس دونالد ترامب ضد الجمهورية الإسلامية، في خطوة عكست اتساع الشرخ داخل المؤسسة الأمريكية بين البيت الأبيض من جهة، والكونغرس من جهة أخرى، بشأن كلفة الحرب وجدواها وحدود صلاحيات الرئيس في إشعال المواجهات الخارجية.
وجاء التصويت بعد تصاعد الانتقادات داخل الولايات المتحدة للحرب التي يصفها الديمقراطيون، وعدد من الجمهوريين، بأنها “مكلفة وغير ضرورية ومدمرة”، فيما يحاول ترامب التقليل من أهمية القرار، واعتباره تحركاً سياسياً عديم التأثير، في وقت تبدو فيه إدارته واقعة بين ضغط الميدان، وتراجع المزاج الداخلي الأمريكي، ومخاوف الحلفاء من تداعيات استمرار التصعيد مع إيران ومحور المقاومة.
وقال زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر إن الكونغرس “صوّت اليوم لإنهاء حرب ترامب المكلفة وغير الضرورية والمدمرة مع إيران”، في تصريح يعكس انتقال معارضة الحرب من مستوى الخطاب الحزبي إلى مستوى الفعل البرلماني، بعد أن وجد خصوم ترامب في قانون صلاحيات الحرب أداة دستورية لمحاصرته سياسياً، والتأكيد أن قرار الحرب لا يجب أن يبقى حكراً على البيت الأبيض.
تصريح شومر لم يكن مجرد موقف انتخابي، بل حمل إدانة مباشرة لسياسة ترامب الخارجية، إذ سعى إلى تصوير الحرب على إيران باعتبارها “مغامرة شخصية أُطلقت خارج الإجماع الوطني”، وبدون حساب دقيق للكلفة العسكرية والاقتصادية والسياسية. ومن خلال وصفها بـ “حرب ترامب”، يحاول الديمقراطيون تحميل الرئيس كامل المسؤولية عن نتائجها، وفصل المؤسسة التشريعية عن تبعاتها أمام الرأي العام الأمريكي.
في المقابل، رد ترامب بعنف سياسي واضح، واعتبر أن مجلس الشيوخ أجرى “تصويتاً عديم الجدوى وسيئ التوقيت بشأن قانون صلاحيات الحرب”، في محاولة لنزع القيمة العملية عن القرار، والتأكيد أن إدارته لا تزال تمسك بملف إيران، سواء في المسار العسكري أو في أي ترتيبات تفاوضية لاحقة. لكن هذا الرد يكشف، في الوقت نفسه، حساسية البيت الأبيض من تحوّل الحرب إلى عبء داخلي، ومن تشكل معارضة عابرة للحزبين داخل الكونغرس.
وتكمن أهمية التصويت في أنه جاء كرسالة سياسية مزدوجة: الأولى موجهة إلى ترامب، ومفادها أن تفويض الحرب لم يعد مفتوحاً بلا سقف؛ والثانية موجهة إلى إيران والمنطقة، ومضمونها أن واشنطن نفسها لم تعد موحدة خلف خيار التصعيد، وأن جزءاً من المؤسسة الأمريكية بات يرى أن الاستمرار في المواجهة يهدد المصالح الأمريكية أكثر مما يخدمها.
كما أن استخدام قانون صلاحيات الحرب في هذا التوقيت يعيد فتح النقاش الدستوري القديم في الولايات المتحدة حول من يملك قرار الحرب: الرئيس أم الكونغرس؟ فترامب يتصرف بمنطق القائد الأعلى الذي يرى أن له صلاحية التحرك العسكري السريع، بينما يحاول الكونغرس استعادة دوره الدستوري في إعلان الحرب أو وقفها، خصوصاً عندما تتحول العمليات إلى مواجهة طويلة ومكلفة مع دولة إقليمية كبرى مثل إيران.
ومن زاوية محور المقاومة، يحمل التصويت دلالة عميقة؛ فهو لا يعكس فقط خلافاً حزبياً أمريكياً، بل يكشف أثر الصمود الإيراني وتماسك الجبهات المساندة في تحويل الحرب من أداة ضغط على طهران إلى أزمة ضغط داخل واشنطن. فحين تصل المؤسسة الأمريكية إلى مرحلة التصويت على وقف الحرب، فهذا يعني أن كلفة المواجهة بدأت ترتد على صاحب القرار، وأن المعادلة التي أرادها ترامب لكسر إيران بدأت تتحول إلى مأزق سياسي داخلي.
ويأتي ذلك في ظل قلق أمريكي وإسرائيلي متزايد من أن يؤدي أي تراجع في الحرب إلى تكريس مكاسب إيران ومحور المقاومة، خصوصاً إذا ارتبط المسار السياسي بملفات مثل وقف الحرب في لبنان، وتحرير الأموال الإيرانية المجمدة، وتخفيف العقوبات النفطية، والاعتراف العملي بحقوق إيران النووية والدفاعية. ولذلك يبدو الكيان الإسرائيلي الأكثر انزعاجاً من أي قرار أمريكي يحدّ من استمرار التصعيد، لأنه يدرك أن توقف الحرب يعني سقوط رهان الاستنزاف.
أما على المستوى الأمريكي الداخلي، فإن التصويت يمنح خصوم ترامب مادة قوية لمهاجمته قبل أي استحقاقات سياسية مقبلة، لأنه يضع الحرب في خانة الفشل المكلف، ويجعلها عنواناً للنقاش حول أسعار الطاقة، والإنفاق العسكري، والخسائر، وتراجع الثقة في قرارات البيت الأبيض. كما أن انضمام بعض الجمهوريين إلى هذا المسار يعكس أن الاعتراض لم يعد محصوراً في المعارضة الديمقراطية، بل بدأ يتسلل إلى داخل المعسكر الجمهوري نفسه.
ومع أن القرار لا يعني بالضرورة وقفاً فورياً للحرب، إلا أنه يمثل ضربة سياسية ومعنوية لإدارة ترامب، لأنه يسحب منها غطاء الإجماع، ويضعها أمام سؤال بالغ الحساسية: هل تستطيع الاستمرار في حرب يرفضها جزء من الكونغرس والرأي العام، وتزداد كلفتها الميدانية والسياسية يوماً بعد آخر؟
في المحصلة، يكشف تصويت مجلس الشيوخ أن الحرب على إيران لم تعد مجرد مواجهة خارجية، بل تحولت إلى أزمة داخل النظام الأمريكي نفسه. فترامب الذي أراد فرض معادلة النار على طهران، يجد نفسه اليوم أمام معادلة ضغط في واشنطن؛ والكونغرس الذي تحرك تحت عنوان صلاحيات الحرب، وجّه رسالة واضحة بأن استمرار العدوان لم يعد قراراً سهلاً ولا مجانياً.
وبين هجوم ترامب على التصويت، واعتبار شومر أنه خطوة لإنهاء الحرب، تظهر الحقيقة الأهم: إيران لم تُحاصر وحدها، بل نجحت في جرّ الحرب إلى قلب المعركة السياسية الأمريكية.
