قُتل الصحفي محمد عيضة، مراسل قناتي “العربية” و”الحدث”، إثر انفجار عبوة ناسفة زُرعت في سيارته بمدينة المكلا، مركز محافظة حضرموت، في عملية اغتيال جديدة تعكس مستوى الانفلات الأمني والتصفيات المنظمة التي تشهدها المحافظات الجنوبية الخاضعة لسيطرة الفصائل الموالية لتحالف العدوان.
وبحسب مصادر إعلامية، انفجرت العبوة أثناء مرور سيارة عيضة في أحد شوارع مدينة المكلا، ما أدى إلى إصابته بجروح بالغة، قبل أن يُنقل إلى أحد مستشفيات المدينة لتلقي الإسعافات، غير أن تقارير لاحقة أكدت مقتله متأثراً بإصابته.
وتأتي عملية الاغتيال في توقيت حساس تعيش فيه مدينة المكلا حالة من التوتر الأمني، وسط اتساع رقعة الحوادث الغامضة وعمليات التفجير والاستهداف التي تطال شخصيات إعلامية وأمنية وعسكرية، بما يكشف عجز السلطات الموالية للتحالف عن ضبط المشهد الأمني، رغم انتشار التشكيلات المسلحة وتعدد الأجهزة الأمنية في المحافظة.
وتحمل العملية دلالات خطيرة، كونها استهدفت شخصية إعلامية معروفة تعمل لصالح قناتين سعوديتين بارزتين، ما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول الجهة المستفيدة من إسكات عيضة، وطبيعة الرسائل التي أرادت العملية إيصالها داخل حضرموت، وفي عموم المحافظات الجنوبية.
كما لا يمكن فصل الحادثة عن سياق الصراع المحتدم بين أدوات النفوذ السعودي والإماراتي في جنوب وشرق اليمن، حيث تحولت محافظات مثل حضرموت وعدن وشبوة إلى ساحات تنازع نفوذ بين فصائل متعددة الولاء، تتقاسم السلطة والسلاح والقرار، فيما يدفع المواطنون والإعلاميون والكوادر المحلية ثمن هذا الصراع المفتوح.
وبينما لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن العملية حتى الآن، فإن طريقة التنفيذ عبر زرع عبوة ناسفة في السيارة تشير إلى عملية رصد وتخطيط مسبق، وليست حادثاً عابراً أو انفجاراً عشوائياً، الأمر الذي يعزز فرضية الاغتيال المنظم ضمن مسلسل التصفيات الذي تشهده مناطق سيطرة التحالف.
وتكشف الجريمة مجدداً حجم الفوضى التي أنتجها الاحتلال غير المباشر للمحافظات الجنوبية عبر الوكلاء المحليين، حيث بات الأمن موزعاً بين تشكيلات متنازعة، والقرار مرتهناً للخارج، والشارع مفتوحاً أمام العبوات الناسفة والاغتيالات والاختراقات الأمنية.
وفي الوقت الذي تسارع فيه سلطات المكلا عادة إلى إطلاق وعود التحقيق، تبقى الأسئلة الأهم قائمة: من زرع العبوة؟ ومن وفر المعلومات عن تحركات الصحفي؟ ولماذا تتكرر عمليات الاغتيال في مناطق يفترض أنها خاضعة لإجراءات أمنية مشددة؟ ومن المستفيد من إبقاء حضرموت في دائرة الفوضى والتصفية؟
إن اغتيال محمد عيضة لا يمثل حادثة أمنية منفصلة، بل يعكس عمق الأزمة التي تعيشها المناطق الواقعة تحت سيطرة تحالف العدوان ومرتزقته، حيث تتحول الخلافات السياسية وصراعات النفوذ إلى دماء في الشوارع، فيما تفشل الفصائل المتعددة في تقديم نموذج أمني قادر على حماية حتى العاملين في المجال الإعلامي.
وبذلك، يضع اغتيال مراسل “العربية والحدث” في المكلا الفصائل الموالية للسعودية والإمارات أمام مسؤولية مباشرة، لا باعتبارها متهمة قبل نتائج التحقيق، بل باعتبارها السلطة القائمة على الأرض، والمسؤولة عن حماية المدنيين والصحفيين ومنع تحول المدن الجنوبية إلى مسرح دائم للعبوات والاغتيالات.
