ذات صلة

الأكثر مشاهدة

حين يفشل الميدان.. يلجأ إعلام الرياض إلى الذكاء الاصطناعي لتزوير الحشود وصناعة الوهم

تكشف التطورات الأخيرة في أداء الوسائل الإعلامية الموالية للسعودية، وفي مقدمتها قناة “يمن شباب”، انتقال هذه المنصات من مجرد التحريف والتضليل إلى مستوى أكثر خطورة يتمثل في “التزييف الرقمي الكامل” عبر توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي لصناعة مشاهد مفبركة، هدفها التأثير على الرأي العام اليمني، وخلق انطباعات زائفة عن واقع ميداني لا وجود له.

وفي قلب هذه الحملة، برزت قضية المدعو “حمد بن فدغم” وما أثير حول ما يسمى نصرة “ميرا صدام حسين”، حيث سعت القناة، بالتوازي مع منصات أخرى موالية للرياض، إلى تضخيم ما يسمى “مطارح الريان” في أطراف محافظة الجوف، ومحاولة تسويقها كاحتشاد قبلي واسع ومستمر، في سياق دعائي يهدف إلى الإيحاء بوجود حاضنة قبلية جاهزة للتحرك ضد صنعاء.

غير أن الفشل الميداني الواضح، وعدم وجود الزخم الذي حاولت هذه الوسائل الادعاء به، دفعها إلى اللجوء إلى “الحشود الرقمية” كبديل عن الحشود الحقيقية، فجرى نشر صورة مفبركة رُوّج لها على أنها توثق استمرار الاحتشاد القبلي، بل وجرى الادعاء بأن “100 وفد قبلي يحتشد”، في محاولة لصناعة مشهد وهمي يمنح المشروع السعودي جرعة إنعاش إعلامي بعد سقوط رهاناته على الأرض.

ولا تبدو هذه الفبركة حادثة معزولة، بل تعكس منهجاً دعائياً منظماً تتبعه وسائل الإعلام المرتبطة بالأجندة السعودية، يقوم على اختلاق الوقائع، وتزييف المزاج المجتمعي، وإنتاج انتصارات افتراضية لتعويض الفشل السياسي والعسكري. فحين يعجز الميدان عن تقديم ما تريده الرياض، تتكفل الخوارزميات بصناعة المشهد البديل.

وبحسب الفحص الفني للصورة التي نشرتها قناة “يمن شباب”، ظهرت مؤشرات تقنية واضحة تؤكد أنها مُولّدة بالذكاء الاصطناعي وليست صورة حقيقية. ومن أبرز هذه المؤشرات، تشوّه المركبات في الجهة اليسرى من الصورة، وظهور كتلة معدنية غير مفهومة تتداخل معها الرمال بطريقة غير منطقية، وهو خلل متكرر في الصور المصنوعة آلياً.

كما كشف التدقيق انهياراً في البنية الجغرافية والبصرية في الخلفية، حيث بدت إحدى المركبات البيضاء مشوهة وملتصقة بكتلة سوداء عشوائية، مع غياب المعالم الواقعية المعتادة للأبواب والنوافذ. كذلك ظهر اندماج غير منطقي بين أجساد الأشخاص والأجسام الجامدة، بما في ذلك التحام ثوب أحد الأشخاص بجسم أزرق وقطعة معدنية، وهو ما يعكس فشل البرمجيات في الفصل بين العناصر البشرية والبيئة المحيطة.

ومن العلامات الفاضحة أيضاً ظهور كائن مشوّه في أسفل الصورة، يجمع بين ملامح حيوانية وتكوينات ميكانيكية، وهو نمط معروف في الصور المنتجة بالذكاء الاصطناعي عند محاولة تمثيل الحشود والتفاصيل الدقيقة في البيئات المفتوحة.

إن خطورة هذه الفبركة لا تكمن فقط في كونها صورة مزيفة، بل في الدور السياسي الذي تؤديه. فالقناة لم تستخدم الذكاء الاصطناعي لأغراض تقنية أو جمالية، بل وظفته في خدمة خطاب تعبوي موجّه يهدف إلى خلخلة الجبهة الداخلية، وإظهار أن هناك بيئة يمنية تتحرك في الاتجاه الذي تريده السعودية، بينما الواقع يشير إلى عكس ذلك تماماً.

وبذلك، فإن ما قامت به “يمن شباب” يتجاوز حدود الخطأ المهني أو التسرع الإعلامي، ويدخل في إطار التضليل الممنهج الذي يسعى إلى إعادة تشكيل الواقع إعلامياً بعد العجز عن تغييره سياسياً وميدانياً. وهذا بدوره يكشف حجم الإفلاس الإعلامي والسياسي لدى القوى الموالية للرياض، التي باتت تعتمد على الوهم الرقمي بعد سقوط رهاناتها على الأرض.

وفي الخلاصة، فإن فضيحة الصورة المفبركة تمثل دليلاً جديداً على أن إعلام الأجندة السعودية لم يعد يكتفي بتزوير الرواية، بل انتقل إلى تزوير الصورة نفسها. وعندما تصبح الخوارزميات بديلاً عن الحقيقة، فهذا يعني أن المشروع الذي تقف خلفه هذه الوسائل لم يعد يملك من الواقع سوى الفشل، ولا من أدواته سوى التضليل، والفبركة، وصناعة الوهم.

spot_imgspot_img