في لحظة بالغة الحساسية، تداخل فيها المشهد الجنائزي المليوني مع التصعيد العسكري الأمريكي، بدت إيران وكأنها تخوض معركتين في آن واحد: معركة الوفاء للقائد الشهيد السيد علي خامنئي عبر تشييع تاريخي امتد من طهران إلى قم فالنجف وكربلاء وانتهى في مشهد، ومعركة تثبيت الردع والسيادة في مواجهة واشنطن التي واصلت استهداف البنى التحتية والمواقع الإيرانية بالتزامن مع ذروة مراسم الوداع والدفن.
فجر الجمعة، ووري جثمان القائد الشهيد الثرى في رواق دار الذكر إلى جوار مرقد الإمام علي بن موسى الرضا (ع) في مدينة مشهد، بعد أسبوع كامل من مراسم التشييع التي تحولت إلى ملحمة سياسية وشعبية عابرة للحدود. وقد سبقت مراسم الدفن صلاة الجنازة التي أمّها آية الله مصطفى الخامنئي، فيما طيف بالجثمان الطاهر حول الضريح الشريف وسط حشود مليونية غصت بها شوارع مشهد والمرقد الرضوي والمحيط الواسع للعتبة المقدسة. ولم يعد مشهد الوداع مجرد مراسم جنائزية، بل بدا استفتاءً شعبياً واسعاً على بقاء النهج واستمرار المسار، ورسالة صريحة إلى خصوم إيران بأن اغتيال القائد لم يكسر الدولة ولا المحور، بل أعاد شحنهما بزخم أكبر.
وقد أكدت المؤسسات الإيرانية أن هذا التشييع، الذي امتد عبر إيران والعراق، مثّل تجديداً للعهد مع نهج القائد الشهيد وإعلاناً متجدداً للوفاء بخط المقاومة. فالقائد العام للحرس الثوري اعتبر أن المشاركة المليونية في إيران والعراق كانت حدثاً غير مسبوق في التاريخ كشف ذروة الحب والتلاحم بين الأمة والقيادة، بينما أكد القائد العام للجيش الإيراني أن هذا الحضور رسم ملحمة ساطعة من التلاحم الوثيق بين الشعب ونهج الشهداء. كما ذهب مجلس خبراء القيادة إلى أن مراسم التشييع لم تكن طقوس وداع فحسب، بل تجسيداً للاقتدار الوطني وإحباطاً لمؤامرات الأعداء وأسمى مظاهر الوحدة الوطنية.
ولم يقتصر البعد الرمزي على الداخل الإيراني، بل امتد إلى العراق، حيث وجّه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان رسالة شكر إلى الشعب والحكومة في العراق على ما وصفه بـ التشييع المهيب الذي جرى على أرض النجف وكربلاء، مؤكداً أن الشهيد كان يشدد دوماً على روح الأخوة بين الشعبين والحكومتين في إيران والعراق. وبذلك، بدا التشييع في محطاته العراقية والإيرانية معاً كأنه إعادة تثبيت لوحدة جبهة المقاومة، وليس مجرد انتقال جثمان بين مدن وعتبات.
في المقابل، اختارت واشنطن أن تواصل الضغط العسكري في ذروة هذه اللحظة، عبر استهداف الجسور وخطوط السكك الحديدية والبنية المرتبطة بالنقل والتجارة، في محاولة بدت واضحة لخلخلة الداخل الإيراني والتغطية على مشهد التشييع الحاشد. وقد أُعلن عن استهداف جسر للسكك الحديدية يستخدم في المسارات التجارية مع الصين وروسيا، إلى جانب هجمات طالت مناطق متعددة، وهو ما يعكس أن العدوان الأمريكي لم يعد موجهاً فقط إلى القدرات العسكرية المباشرة، بل إلى شرايين الربط الاقتصادي والاستراتيجي التي تمثل عمقاً حيوياً للدولة الإيرانية.
إيران قرأت هذا التصعيد على أنه نكث أمريكي متجدد للعهود ومحاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة، سواء في الداخل الإيراني أو في مضيق هرمز. ولهذا، جاءت المواقف الرسمية شديدة الوضوح. فقد أكد محمد باقر قاليباف أن مضيق هرمز لن يُفتح إلا بترتيبات إيرانية وليس بتهديدات أمريكية، مشدداً على أن واشنطن لم تتعلم بعد أن “البلطجة ونقض العهود لن يكونا بلا ثمن”. وفي الاتجاه نفسه، شدد خطيب صلاة الجمعة في طهران محمد حسن أبو ترابي فرد على أن مذكرة التفاهم تقوم على قاعدة “الالتزام مقابل الالتزام”، وأن إيران لن تسمح لأمريكا تحت أي ظرف بالتدخل في شؤون مضيق هرمز.
هذا التثبيت السياسي لمعنى السيادة في هرمز تزامن مع تصعيد ميداني واسع. فإيران أعلنت أن الجيش الأمريكي الإرهابي خلال الأشهر الماضية حاول بكل إمكاناته إخراج المضيق من تحت السيطرة الإيرانية، لكنه تعرض لهزيمة مريرة في جميع عملياته. ومع العدوان الأخير، انتقلت طهران إلى توسيع الرد المباشر عبر استهداف قواعد أمريكية في الخليج. وأعلنت الجهات العسكرية الإيرانية أن المرحلة الأولى من الرد شملت تدمير البنى التحتية لقواعد أمريكية في الكويت والبحرين وقطر، باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى جانب استهداف أنظمة باتريوت ومواقع إنذار مبكر ومخازن وقود مرتبطة بالوجود الأمريكي.
وفي هذا السياق، برزت معادلة إيرانية جديدة أكثر صراحة: كل تصعيد أمريكي على السواحل والمدن الإيرانية سيقابله تصعيد مباشر على القواعد والمصالح الأمريكية في الإقليم. كما حملت التصريحات الإيرانية تحذيراً واضحاً بأن أي جهة تقدم دعماً للعدوان الأمريكي ستكون هدفاً مشروعاً، ما يعني أن طهران لم تعد تفصل بين الفاعل الأصلي والبيئة الإقليمية المساندة له.
سياسياً، أكدت إيران أن مذكرة التفاهم لم تكن مبنية على الثقة بواشنطن، بل على مبدأ الاختبار العملي للالتزام الأمريكي، وهو ما بدا، وفق الخطاب الإيراني، أنه سقط مجدداً مع الضربات الأمريكية وإعادة الضغوط على هرمز والبنية الاقتصادية. ومن هنا، فإن طهران لا تتحدث عن خلاف تكتيكي أو خرق عابر، بل عن محاولة أمريكية لتقويض بنية التفاهم ذاتها، وفرض الشروط بالقوة بعد الفشل في انتزاعها سياسياً.
