ذات صلة

الأكثر مشاهدة

“لويدز ليست”: الملاحة النفطية السعودية في البحر الأحمر تتلاشى تحت ضغط الحظر اليمني

كشفت تقارير ملاحية دولية وصور أقمار صناعية حديثة عن شلل شبه كامل أصاب حركة ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر، في مؤشر على اتساع التأثير الميداني والاقتصادي للحظر البحري الذي فرضته القوات المسلحة اليمنية على الملاحة المرتبطة بالرياض ضمن معادلة “الحصار بالحصار”.

ونقلت مجلة “لويدز ليست”، المتخصصة في شؤون الملاحة والنقل البحري، أن حركة ناقلات النفط السعودية في البحر الأحمر “كادت تختفي كلياً”، مع عدم تسجيل عبور أي ناقلة محملة بالخام منذ 23 يوليو الجاري.

وبحسب المجلة، أوقفت ما لا يقل عن 11 ناقلة نفطية بث إشارات التتبع قبالة ميناء ينبع عقب الإعلان عن الحظر اليمني، في تطور يعكس حجم القلق الذي أصاب شركات الشحن وإدارة الأسطول النفطي السعودي، ومحاولات إخفاء تحركات الناقلات ومساراتها عن أنظمة الرصد.

ولا يقتصر تأثير الحظر على تراجع حركة السفن فقط، بل يمتد إلى فرض كلفة تشغيلية ومالية متصاعدة على صادرات الطاقة السعودية، نتيجة اضطرار الناقلات إلى اللجوء لمسارات أطول وأكثر تعقيداً، بما يرفع نفقات الوقود والتأمين وأجور التشغيل ويؤخر وصول الشحنات إلى الأسواق.

ويكتسب ميناء ينبع أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة للسعودية، باعتباره منفذاً رئيسياً لتصدير النفط عبر البحر الأحمر، ونقطة النهاية لخط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى الساحل الغربي.

ومن هنا، فإن أي تعطيل لحركة الناقلات قرب ينبع لا يمثل أزمة ملاحية عابرة، بل ضربة مباشرة لأحد أهم البدائل التي تعتمد عليها الرياض لتأمين تدفق صادراتها النفطية بعيداً عن الممرات البحرية المهددة في الخليج.

وفي السياق ذاته، أظهرت صور أقمار صناعية حديثة تصاعد أدخنة ووجود أضرار مرئية في منشأة لمعالجة النفط تابعة لشركة أرامكو في بقيق شرقي السعودية، بالتزامن مع إعلان القوات المسلحة اليمنية استهداف “عدد من الأهداف والنقاط الحساسة المرتبطة بإمدادات ونقل النفط الخام من شرق السعودية إلى ينبع بواسطة طائرات مسيّرة”.

وتعزز هذه المعطيات الرواية اليمنية بشأن نجاح العمليات في التأثير على البنية التشغيلية لقطاع النفط السعودي، كما تكشف أن الضربات لم تكن ذات طابع رمزي، بل استهدفت شرايين حيوية ترتبط مباشرة بحركة الإمداد والنقل والتصدير.

وكانت القوات المسلحة اليمنية قد أعلنت فرض حظر بحري على الملاحة المرتبطة بالسعودية، رداً على استمرار الحصار المفروض على الموانئ والمطارات اليمنية، مؤكدة أن الضغط الاقتصادي والعسكري سيستمر ما لم تتخذ الرياض خطوات عملية لإنهاء القيود المفروضة على اليمن.

ويظهر الاختفاء السريع للناقلات من البحر الأحمر، إلى جانب توقفها عن بث إشارات التعريف الآلي، أن الحظر اليمني بدأ يفرض نفسه كواقع عملياتي لا يمكن لشركات الشحن تجاهله أو التعامل معه باعتباره مجرد تهديد إعلامي.

كما يعكس ذلك محدودية الخيارات المتاحة أمام شركات التأمين والنقل البحري، إذ إن ارتفاع مستوى المخاطر يدفع إلى زيادة أقساط التأمين، وإعادة تقييم الرحلات، وتأجيل التحميل أو التفريغ، وربما الامتناع عن التوجه إلى الموانئ السعودية الواقعة ضمن نطاق التهديد.

وتكشف هذه التطورات عن تحول نوعي في طبيعة الضغط اليمني على الرياض؛ فبعد سنوات من الحصار الاقتصادي المفروض على اليمن، انتقلت صنعاء إلى استهداف نقاط الضعف في شبكة الطاقة والتصدير السعودية، وربط أمن منشآتها وموانئها بإنهاء الحصار على الشعب اليمني.

ويحمل هذا التحول تداعيات تتجاوز السعودية نفسها، نظراً إلى ارتباط صادراتها النفطية بأسواق الطاقة العالمية، ما يعني أن استمرار تعطيل المسار البحري في البحر الأحمر قد ينعكس على أسعار الشحن، وتكاليف التأمين، ومواعيد التسليم، واستقرار الإمدادات.

وتقف الرياض أمام معادلة واضحة: إما الاستمرار في الحصار وتحمل اتساع الكلفة على منشآتها وموانئها وصادراتها، أو الدخول في خطوات عملية تفضي إلى فتح المطارات والموانئ اليمنية وتخفيف القيود على التجارة وحركة المدنيين.

وفي المحصلة، فإن ما أوردته “لويدز ليست” بشأن اختفاء ناقلات النفط السعودية من البحر الأحمر يكشف أن الحظر اليمني بدأ يحقق أثراً مباشراً على واحدة من أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد السعودي.

فالملاحة النفطية تتراجع، والناقلات تطفئ أجهزة التتبع، والمنشآت الحيوية تدخل دائرة الاستهداف، بينما تتزايد الكلفة المالية واللوجستية على الرياض، بما يؤكد أن معادلة “الحصار بالحصار” لم تعد شعاراً سياسياً، بل تحولت إلى واقع ميداني يضغط على شرايين الاقتصاد السعودي.

spot_imgspot_img