يرى مراقبون أن معادلة “الحصار بالحصار” تمثل تحولًا استراتيجيًا في الصراع اليمني السعودي، بعدما انتقلت صنعاء من الصبر على القيود إلى فرض كلفة على الطرف المسؤول عنها، عبر ربط أمن الملاحة والمنشآت السعودية برفع الحصار عن اليمن.
وتستفيد اليمن من المناخ المتزامن مع الحصار الإيراني في مضيق هرمز. فحين سعت السعودية والولايات المتحدة إلى الحد من تداعياته عبر خط الأنابيب من المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع، جاءت المعادلة اليمنية لتضرب هذا البديل، وتضع حلفاء واشنطن أمام أزمة يصعب تجاوزها من دون أثمان تدفعهم إلى التعامل مع المطالب اليمنية.
الحصار بوصفه حربًا مفتوحة
لا يمكن فصل التصعيد عن حصار امتد 12 عامًا، وشمل تقييد حركة مطار صنعاء وموانئ الحديدة، وتعطيل سفر المرضى والطلاب، وعرقلة وصول السلع والأدوية والوقود، إلى جانب أزمة المرتبات وتدهور الأوضاع المعيشية.
وبقاء هذه الملفات دون تسوية حقيقية حوّل الهدنة إلى غطاء لاستمرار الضغط الاقتصادي والإنساني، بوصفه وسيلة لإجبار صنعاء على تقديم تنازلات سياسية من دون منح اليمنيين حقوقهم الأساسية.
ويرى مراقبون أن الحصار ليس إجراءً اقتصاديًا، بل شكل من أشكال الحرب يهدف إلى إضعاف المجتمع واستنزافه قبل فرض الشروط السياسية. ومن هذا المنطلق، تعكس معركة رفع الحصار محاولة لتغيير ميزان القوة، بعدما كان الطرف السعودي يفرض القيود من دون تحمل تبعات مماثلة.
من الصبر إلى معادلة الردع
تقوم المعادلة الجديدة على أن استمرار تعطيل المنافذ اليمنية سيقابله تهديد للمصالح الاقتصادية والملاحية السعودية، وأن استهداف صنعاء والحديدة أو فرض القيود على الموانئ والمطار لن يبقى فعلًا أحادي الاتجاه.
وبذلك تحولت عبارة “الحصار بالحصار” من شعار سياسي إلى عقيدة ردع تربط الملف الإنساني بالعمليات العسكرية والبحرية، وتمنع العودة إلى تهدئة لا تتضمن حلولًا فعلية للمرتبات والمطار والموانئ.
ويؤكد مراقبون أن صنعاء تقدم المواجهة بوصفها معركة حقوق يمنية، لا امتداد للحرب الإقليمية. فاليمن يمتلك أسبابه المستقلة للتصعيد، وفي مقدمتها استمرار الحصار، وتعطيل الموارد، وحرمان ملايين اليمنيين من حقوقهم الاقتصادية والإنسانية.
ينبع وأرامكو في قلب المعادلة
يبرز ميناء ينبع ومنشآت أرامكو ضمن نقاط الضغط، نظرًا إلى موقعهما في منظومة تصدير النفط السعودي. وينقل خط الأنابيب من شرق السعودية إلى غربها النفط الخام نحو ينبع، ما يسمح للرياض بتجاوز مضيق هرمز وتوجيه صادراتها نحو قناة السويس أو الأسواق الآسيوية عبر باب المندب.
واستخدمت السعودية هذا المسار لتخفيف آثار التوتر في هرمز وحماية تدفقات الطاقة المرتبطة بالمصالح الأمريكية، إلا أن دخول ينبع وجيزان وأرامكو ضمن نطاق العمليات اليمنية جعل البديل نفسه عرضة للتهديد.
ويرى مراقبون أن ذلك يمثل تطبيقًا عمليًا لمبدأ “الألم بالألم”، إذ انتقلت المواجهة من استنزاف اليمن وحده إلى تهديد شرايين الاقتصاد السعودي، بما يرفع تكاليف التأمين والشحن، ويؤثر في حركة الموانئ والاستثمارات والطاقة.
وتستند صنعاء إلى قدراتها الصاروخية والمسيّرة، وخبرتها في البحر الأحمر، وموقعها على باب المندب، بعدما أثبتت قدرتها على دفع السفن إلى تغيير مساراتها ورفع تكاليف النقل والتأمين.
تفاوت القدرة على تحمل التصعيد
تبدو السعودية أكثر حساسية تجاه مواجهة طويلة بسبب اعتماد اقتصادها على صادرات الطاقة، وحاجتها إلى حماية الموانئ والمطارات والمنشآت النفطية ومشروعات “رؤية 2030”. كما أن الفعاليات الدولية تتطلب استقرارًا أمنيًا وثقة لدى المستثمرين وشركات الشحن والتأمين.
في المقابل، تعرض اليمن خلال سنوات الحرب لتدمير في بنيته التحتية وخسائر اقتصادية وإنسانية متراكمة، ما جعل مساحة الضغط عليه محدودة، بينما تمتلك السعودية شبكة من الأهداف الاقتصادية الحساسة والمكلفة.
لا تهدئة من دون رفع الحصار
تضع المعادلة الجديدة الوسطاء أمام مسار أكثر تعقيدًا، إذ لم يعد خفض التصعيد مرتبطًا بوقف الضربات، بل بمعالجة أسبابها. وترى صنعاء أن أي وساطة لا تشمل فتح المطار والموانئ، ومعالجة المرتبات والملف الاقتصادي، لن تكون سوى محاولة لإعادة التهدئة مع إبقاء الحصار قائمًا.
ويخلص مراقبون إلى أن صنعاء تسعى إلى تحويل الحصار من أداة لإخضاع اليمن إلى عبء مرتد على الاقتصاد والملاحة السعودية، برسالة مفادها أن أمن الموانئ والمنشآت النفطية السعودية لن يبقى منفصلًا عن أمن مطار صنعاء وميناء الحديدة وحقوق الشعب اليمني.
